الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


 

(( مرسل للنبض من موقع بلا حدود ـ المهندس باسل قس نصر الله : مستشار مفتي سورية )) : السيدة الفاضلة.. : لفتت نظري الفقرة الاخيرة من مقالتك، والتي تستنتجين بها "أن العرب بحاجة إلى أن يجدوا طريقة للتعبير عن هويتهم ومصالحهم في عالم ينشغل كل قطب فيه ببلورة هوية لم تكن موجودة قبل بضعة عقود أو سنوات" ، وحول عدم وصول الاقطار العربية الى الوحدة العربية، مثلما الحال في اوروبا، توضحين أنه من الضروري "أن يشعر كلّ عربي أنه مسؤول عن مصير هذه الأمة وأن يفكّر بمساهمة فاعلة لوضع أمته في مكانها السليم بين الأمم".
من المعلوم تماما أن الانشغال بالهوية يدفع نحو التراث، أما الانشغال بالتقدم فيدفع نحو الحداثة، ولا أظن ان المجتمعات في الاقطار العربية هي بحاجة الى شعور بالهوية أو العاطفة السياسية، بقدر ما هي بحاجة الى شعور بضرورة الاتحاد أو الاتفاق على الوحدة أو الوحدة، وغيرها من الشعائر الايجابية التي تخدم هدفا واحدا وهو الاجتماع على هدف واحد كحد أدنى..
لقد أصبح الاطار العام حاليا للعالم، هو عالم سقطت فيه الحدود الفاصلة التي كانت تؤمن نوعا من التجانس في جماعات بشرية واسعة، وهذا ما يؤدي الى سقوط ما يسمى بالهوية القومية، مقابل الهوية الحضارية. لأننا نشهد حاليا حركة واسعة تتسع اكثر فأكثر تجعل الشعوب واللغات والاديان تتداخل، وينتج من هذا التداخل الاجتماعي الواسع وضعا جديدا يطرح فيه سؤال عن هوية الفئات الاجتماعية في اطار تعددية ادبية ودينية شديدة التنوع وتطرح ايضا مشكلة تعايش تلك الفئات المختلفة ضمن الوحدة الوطنية التي ما زالت حتى الان صامدة في تيار التغيرات الواسعة.
نحن إذن بحاجة الى معرفة انتماء ضمن الهوية الحضارية، وليس الى هوية قومية، ستصبح بعد مدة من الزمن ( طالت أم قصرت ) نوع من الترف الفكري والخصوصية شديدة الصغر ضمن رحابة الهوية الحضارية. لم تتحد اوروبا ضمن مفهوم قومي، بل ضمن مفهوم حضاري، والذي يراجع مسودة الدستور الاوروبي ـ وأنصحكِ بذلك ـ يرى تماما أن ما يحدو للتجمع في دولة أوروربية، ليس العرق أو اللون أو اللغة وغيرها مما كان ضرورة لازمة للهوية القومية، بل الواقع الحضاري للدولة المنتمية، ولكِ مثال في ذلك، هي تركيا.
أما الاقطار العربية، وبغض النظر أن اللغة واحدة ـ أو هكذا تعلمنا في المدارس ـ والتاريخ المشترك والمقدسات المشتركة وغيرها من المشتركات، حتى نصل الى الشعارات المشتركة، أقول أن كل ذلك لم، ولا، ولن، يجدِ نفعاً، لأننا لم نعتمد حسب ما لمستيه أنتِ بكل دقة في أن "معظمنا يتذكر حين كانت الوفود الأوروبية المعنية بالتوصل إلى سياسات موحدة أو عملة موحدة أو توجهات مشتركة، توقف الساعة وتمضي أياماً لا تغادر موقع الاجتماع إلى أن تتفق على الأقل على تحديد الصعوبات ومنهجية مقاربة وتذليل هذه الصعوبات".
نعم سيدتي لأننا لم نعرف أن نتفق ولا في أي مرة كانت، بدءاَ من المعلقات السبع وغيرهم يقول المعلقات العشر، مرورا ببعض الاراء الفقهية وبعض الفتاوى المزاجية المتضاربة، انتهاء الى أنظمة المرور لدينا، التي يصل تعدادها الى أكثر من عدد البلدان العربية نفسها.
إن العالم ينتظر من المجموعة العربية ـ التسمية حسب ما نحب ـ الانماء العلمي والتقني، وليس تحديد جنس الملائكة، والتي تعلمين علم اليقين، أن هناك في مجتمعاتنا من يختلف في ذكورتها او انوثتها، ناهيك عن اختلافنا في كروية الارض وغيرها الكثير. عندما ينتظر العالم من المجموعة العربية، التطور العلمي والتقني، فبالمقابل، علينا أن نكيف أذهاننا وفقا لمقتضيات هذا الانماء والحداثة، مع المحافظة على لمسة ناعمة تذكر بالهوية الحضارية لهذه المجموعة.
عندما اقول أن الهوية الحضارية، هي ما يجب البحث عنه، فذلك لأن الحضارة هي اعلى تجمع ثقافي للبشر واوسع مستوى وهي التي تميز البشر عن الانواع الاخرى.
لا تحزني سيدتي، إذا نقلت لك ابيات الشاعر ميخائيل نعيمة التي تقول :
من نحن، لا أهل لا ارض ولا دارُ
اذا نمنا، اذا قمنا، ردانا الخزي والعارُ
لقد خمت بنا الدنيا، كما خمت بموتانا
فهات الرفش واتبعني لنحفر خندقا آخر
نواري فيه أحيانا
....................
اللهم اشهد اني بلغت