الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


 

(( الجمل ـ بقلم كاثرين شاكدام ـ ترجمة رنده القاسم : 18 / 11 / 2014 )) : إن كان كثيرون سخروا من تعليقات علي رضا زاكاني في أيلول الماضي، حول السقوط الوشيك للسعودية و ما وصفه بانحلال قبيلة آل سعود، و اعتبروا تفاخره بالنجاحات السياسية الايرانيه في المنطقة مفرطا و لا أساس له، فان آخرين بالمقابل يرون أن هذا المحلل السياسي الإيراني الشهير قد أصاب الضربة على رأس المسمار تماما.
و بالنظر الى التطورات في الشرق الأوسط عبر الشهر الماضي وحده، مثل صعود الحوثيين في اليمن و ثورة البحرين و حكم الإعدام بحق الشيخ نمر النمر و أعمال داعش في العراق و سوريه، سيبدو من الواضح أن التمزقات السياسيه و الاجتماعية و الدينية التي ظهرت في الشرق الأوسط كلها تشير الى تآكل امبراطورية آل سعود و تعجل به.
و السعودية سيطرت على العالم العربي، و إلى حد ما الإسلامي، منذ سقوط العثمانيين، بمساعدة من الولايات المتحدة و الإمبراطورية البريطانية مقابل استعداد ملوكها للبقاء مذعنين للإرادة الغربية، و الإقصاء السياسي لآل سعود، و كذلك النبذ الديني، قد خلقا اليوم حالة أضحت فيها المملكة أسوأ أعدائها.
و في سعيها نحو الهيمنة اعتمادا على ثروتها الهائلة وحدها، فان البترودولارات السعودية هي من أبقى على بناء المملكة المؤسساتي و السياسي و الديني الجوهري. و بينما مكنت مليارات الدولارات، التي تملكها المملكة، آل سعود من السيطرة على أمم وحكومات و سياسات و توجيهها عن بعد، و من زرع و قلع و بناء و تحطيم سياسيين و أفكار مع مضيها بتعزيز رؤيتها للشرق الأوسط، أضحت المملكة عبدة لقدرتها على تمويل تحالفاتها.
و مع حدوث ذلك، ربما ستواجه السعودية قريبا انعطافا اقتصاديا دراماتيكيا. و كما ذكر نيك باتلير في مجلة Globalist الالكترونية، يبدو أن السعوديه قد فقدت الكثير من السيطره على سوق النفط خلال فترة شهدت فيها الأسعار هبوطا لم يسبق له نظير بسبب تراكم المخزون. و كتب باتلير: "ربما لم يعد السعوديون في موقع يسمح لهم بايقاف هبوط الأسعار ". مضيفا أن التوقعات السياسية و الاقتصادية السلبية ضمن الأوبيك ستجعل من المستحيل تطبيق أية سياسة عالميه لتقييد النتاج ، و بهذا ستكون السعودية تحت ضغط كبيرو قال:"من الصعوبة بمكان الاعتقاد بأن أي دولة من الأوبيك، ربما باستثناء الكويت، في موقع يسمح لها القبول بخفض دائم في الإنتاج و العائدات...السعوديون بمفردهم".
آل سعود، الضحايا لحساباتهم السياسية و الاقتصادية الخاطئة، هم فعليا من أشعل النار التي ستهدد بيتهم و تدك أرضا مملكات خليجية.و لو ثبت أن السعودية غير قادرة على الاحتفاظ ماليا على دولها الوكيلة و تمويل حروبها بالوكالة في المنطقة (فتح آل سعود عدة جبهات دون القدرة على حل أي من النزاعات: اليمن ، العراق، سوريه، مصر، ليبيا ، البحرين) فإنها على الأرجح ستجد نفسها محاصره بذات القوى التي دعمتها و الفصائل التي أطلقتها و الفراغ الذي ساعدت على خلقه دون عمد.
و من الواضح أن كلا من ايران و تركيا تدركا المكاسب التي ستجر عليهما منذ عام 2011، فالارباك السياسي السعودي يعزز من قوتيهما. وفي وقت تطالب فيه أمم بالتحرر السياسي و تدخل أخرى معركة قاسية ضد الراديكالية الإسلامية، يمر الشرق الأوسط في مرحلة إعادة بناء ضخمة وتخطيط جديد للقوى.و كمال قال زاكاني بفصاحة :"اليوم ترتبط ثلاث عواصم عربية بايران و تنتمي للثورة الإيرانية الإسلامية، و صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة في طريق للانضمام للثورة الايرانيه".
و بينما يصر حوثيو اليمن (فصيلة نظمت تحت قيادة عبد الملك الحوثي) بأنهم لا يقعون تحت سيطرة أي أحد بل هم مستقلون بقوه، فان الزيديين (أقدم فرع من المسلمين الشيعة) يعتمدون على دعم و توجيه طهران بشكل لا يمكن نكرانه، تماما كما حزب الله في لبنان أو كحال بغداد مؤخرا.
و لكن خلافا للسعودية التي تحكم كما يفعل الملك مع أتباعه السياسيين، فان سياسية ايران في عدم التدخل، و ذكاءها في النصيحة عوضا عن التوجيه، و في الدعم عوضا عن إصدار الأوامر، هو ما جعل الجمهورية الاسلاميه جذابة و ما جعل مظلتها الايديولوجيه بهذا الشمول.و بينما حكمت السعودية عبر الخوف ملوحة بالمطرقة و السيف ضد كل من تراهم دولا تابعة لها، قدمت ايران نفسها كبديل و بشكل مختلف تماما.
و مع اجتماع الكثيرين على شجب هيمنة المملكة العربية السعودية و حكمها المستبد، بدأت تظهر علامات التآكل على صرح آل سعود، فقد أرهقت أساسه الضغوطات السياسية و الاجتماعية و الدينية المتزايده. و كل العوامل التي جعلت من السعودية قوة هائلة تذوي ببطئ: فأهميتها كمرشد ديني فقدت بريقها مع الادعاءات القائلة بدعمها الشيطان داعش، و موقعها الاقتصادي على شفير الهاوية، أما مجتمعها فيقع تحت ضغط الطائفية و الظلم الاجتماعي ،كما أن مكانتها كقوة عظمى إقليمية تتعرض لتحد من ايران و تركيا.
و في سياق حديثه أمام البرلمان الايراني عن قرب زوال السعودية، أشار زاكاني الى ما أسماه مرحلة "الجهاد الأكبر" الايراني، و هي نية إيران إبراز و تصدير نموذج ثورتها الإسلامية إلى منطقة أكبر، بهدف الوصول إلى تحرر سياسي و اجتماعي و ديني ضمن شروط العقيدة الاسلامية.و لا يفهم من الجهاد هنا على أنه المرادف للحرب، و لكنه حملة ايديولوجيه . و من المثير للانتباه، أن علماء الدين غالبا ما كانوا يرون أن الجهاد الحقيقي الذي رمت اليه النصوص المقدسة لا علاقة له بالحرب المفتوحة بل بالحوار المعتدل.
و أشار زاكاني الى أن هذه المرحلة من الجهاد الأكبر تتطلب سياسة خاصة و خطوات حذره لأنها قد تؤدي الى الكثير من الانعكاسات، مؤكدا على الأخطاء التي سقطت السعودية ضحية لها في سباقها للسيطرة و ايمانها الأعمى بأن صوت المال هو الأعلى. و نصح زاكاني باستراتيجية ذكية تقوم فيها ايران بدعم الحركات التي تعمل ضمن اطار الثورة الايرانيه بهدف انهاء الاضطهاد و مساعدة المظلومين في الشرق الأوسط، و بكلمة أخرى، ايران ستعمل كقائد للأمم لا كحاكم مطلق أو دكتاتور يملي السياسات. و بعكس السعودية، ايران تريد أن تغدو محورا للتغيير،و مادة فعالة في التحول السياسي.
قبل الثورة الإسلامية عام 1979 كان الشرق الأوسط مقسما بين قطبين ضمن المحور الأميركي: السعودية ذات الحكم الديني المطلق و جمهورية تركيا العلمانيه. فكانت الثورة تجسيدا للاسلام السياسي الشيعي المصاغ ضمن النظام الجمهوري. و بعد ثلاثة عقود لم تعد تركيا سوى خيالا لعلمانيتها السابقة و تواجه السعودية المعارضة. أما بالنسبه لايران و رغم العداء الأجنبي و الحصار الاقتصادي، فيبدو أن تأثيرها على المنطقة قد توسع، و عزز قوتها الفراغ المتزايد الذي خلفته قوى ظنت نفسها أكبر من أن تسقط.
و قال زاكاني: "يوجد قطبان، الأول تحت قيادة الولايات المتحده و حلفائها العرب، و الثاني تحت قيادة ايران و الدول التي انضمت لمشروع الثورة الايرانيه".
و بغض النظر عما قد يشعره المرء تجاه ايران ، أو أي انتقادات يحملها ضد الجمهورية الاسلاميه، فان الشرق الأوسط اليوم فارسي أكثر من أي وقت مضى.
*صحفية بريطانيه و المديرة المساعدة لمركز بيروت لدراسات الشرق الأوسط و التحليل السياسي، مختصة بالحركات الراديكاليه.
عن مجلة New Eastern Outlook الالكترونية.