الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


(( مرسل للنبض من مركز الحوار العربي بواشنطن ـ المهندس سمير مصطفى الطرابلسي )) : ( سمير مصطفى الطرابلسي / عضو قيادة "المؤتمر الشعبي اللبناني" ، انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم 8 أيلول/سبتمبر 2015، بعد صراع مع مرض عضال لعدة أشهر )...: لم تكن قد انقضت بضع سنوات على قيام دولة الكيان الصهيوني في فلسطين، حينما راح قادة هذا الكيان، يبحثون ويخططون لتمزيق لبنان واحتلال جنوبه، وإقامة دويلة مسيحية، يكون الليطاني حدودها الجنوبية، كما قال بن غوريون في مذكراته، عبر شراء ضابط مسيحي برتبة رائد، يتولى تنفيذ هذه المهمة (مراسلات شاريت ـ بن غوريون ).

لم يكن هذا البحث والتخطيط لتمزيق لبنان واحتلال جنوبه، والذي شغل قادة العدو غريباً، رغم أن مقومات دولة إسرائيل، لم تكن قد ترسخت بعد، لأن الحركة الصهيونية، اعتبرت دائماً أن حدود إسرائيل الشمالية، ينبغي أن تشمل منطقة البقاع الغربي صعوداً إلى جبل الباروك، ثم نزولاً حتى مصب الليطاني، شاملة كلها الجنوب اللبناني. وهو ما أكدت عليه في مذكرتها، التي قدمتها إلى مؤتمر الصلح عام 1919.

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وعلى امتداد الثمانينيات، كانت تقديرات قادة العدو الصهيوني، أن الحرب اللبنانية فتحت كل الأبواب، لتنفيذ مخططات الحركة الصهيونية. فاحتلت إسرائيل الجنوب، ثم اجتاحت عام 1982 لبنان، وصولاً إلى بيروت، وأسست دويلة ملحقة بها بقيادة سعد حداد و أنطوان لحد. وراح قادة العدو وأركان الحركة الصهيونية العالمية، يتحدثون عن "أن حل مشكلة لبنان، هي بعودته كما كان قبل الحرب العالمية الأولى"، أي إلى نظام المتصرفية، كما أوضح شيمون بيريز، في حديث له إلى صحيفة الواشنطن بوست في 11 / 8 / 1982 , وهو ما أكدّه كيسنجر في حديث له لصحيفة الشرق الأوسط في31 / 7 / 1982, مضيفاً أن الجنوب ينبغي إعطاؤه لإسرائيل، وإعطاء البقاع لسورية.

ثم جاءت استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات، والتي نشرتها مجلة اتجاهات الصادرة في القدس في 14 / 2 / 1982, لتحدد الأهداف، الرامية إلى "تحطيم الوحدة الوطنية والسياسية للبنان والبلاد العربية، وإقامة دويلات طائفية متعددة فيها. على امتداد زهاء عقدين من الزمن، بذلت إسرائيل باحتضان أميركي جهوداً كبيرة لتحويل الحلم الإسرائيلي إلى واقع ميداني، إلا أن المقاومة للاحتلال، مقرونة بتمسك غالبية الشعب اللبناني بوحدته، ورفضه الانجرار وراء القوى التقسيمية المرتبطة بإسرائيل، فرض على إسرائيل الانكفاء، واضطرت إلى الانسحاب العسكري من لبنان في أيار 2000.

عقب الانسحاب الصهيوني من غالبية الأراضي اللبنانية، راحت بعض الأطراف اللبنانية، تحاول أن تسوّق لمقولة إن" إسرائيل عدو هزمناه، وخطر تجاوزناه" وإن الخطر على الكيان قادم من أطراف أخرى، أبرزها سورية وإيران. وقد حاولت هذه الأطراف أن تطمس حقيقتين :

الأولى : أن الانسحاب الصهيوني من الجنوب عام 2000 تحت ضربات المقاومة التي ابتدأت منذ أواخر السبعينات، بإسهام قوى وأطراف متعددة، لم يكن هزيمة تكتيكية لإسرائيل، وإنما كان هزيمة استراتيجية لفكرة التوسع، وقضم الأراضي التي شكلت أحد ثوابت الإيديولوجية الصهيونية، الأمر الذي دفع ويدفع قادة العدو، للتفكير الدائم في كيفية الثأر لتلك الهزيمة، لأن تداعياتها أكثر مما تحتمله إسرائيل والحركة الصهيونية.

والثانية : أن إسرائيل ـ وإن اضطرت للتراجع عن مخططها التوسعي بانسحابها عام 2000 ـ ، الا أن الشق التمزيقي التقسيمي في مخططها، لم تتراجع عنه، بل على العكس، فإنها رفعت وتيرة التركيز عليه، كأحد وسائل الثأر لهزيمتها بالانسحاب من جنوب لبنان. ثم جاءت تطورات الأحداث بعد عام ،2000 لتؤكد صدقية هاتين الحقيقتين، وتثير الكثير من الشكوك حول الأطراف، التي سعت و حاولت للترويج لمقولة تراجع الخطر الصهيوني على لبنان.

كان أبرز هذه التطورات العدوان الصهيوني ـ الأميركي على لبنان عام 2006، والذي خُطط له بعناية ما بين أميركا بوش والمحافظين الجدد وحكومة العدو الصهيوني، بغية القضاء ليس على المقاومة فحسب، وإنما على روح المقاومة لدى الشعب اللبناني، بمساندة ودعم من أطراف لبنانية، انخرطت في مخطط فرض الوصاية الدولية على لبنان، عبر القرار 1559 مما فجّر في لبنان سجالاً بين منطقين : الأول حاول ويحاول أن يعيد إحياء شعار قوة لبنان في ضعفه، والثاني يقول قوة لبنان في وحدته الوطنية، وفي ترسيخ روح المقاومة، وترجمة ذلك بتكامل دفاعي ما بين الجيش والمقاومة الشعبية.

بذل التدويليوّن، أنصار المنطق التخاذلي، جهوداً ضخمة لفرض منطقهم على لبنان، مستغلين كل التداعيات التي أحدثتها جريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري، فحاولوا تحميل المقاومة مسؤولية حرب عام 2006 ،لإشاعة مناخ أن إسرائيل لم يعد لديها أطماع في لبنان، وأن لبنان دفع ثمن تحرش المقاومة بها، لحساب قوة إقليمية وخارجية، وعملوا على تأجيج العصبيات الطائفية والمذهبية لإيجاد أجواء مشحونة بالعداء بين اللبنانيين أنفسهم، يتراجع فيها الوعي بخطر إسرائيل أمام أخطار جديدة قادمة.

وإذا كانت الموضوعية تفرض علينا القول إن هذا المنطق استطاع أن يضلّل بعض الكتل الشعبية، فإن الأمانة تفرض علينا القول إن هذه النجاحات الجزئية، إنما أسهمت بها ممارسات خاطئة لقوى، لم ترتفع مواجهتها لمخطط التمزيق الصهيوني إلى مستوى مواجهتها للاحتلال الصهيوني، وترجمة لحقيقة أن تحصين لبنان من خطر التمزيق الصهيوني، هو بالعمل للوحدة الوطنية المتماسكة، التي لا تحققها وفاقات التكينات الطائفية والمذهبية، وإنما يحققها انفتاح التيارات السياسية الوطنية العابرة للطوائف والمذاهب، وفي مقدمها التيار العروبي. ثم جاءت مرحلة تهاوي الشبكات الصهيونية في لبنان، لتسلّط الضوء على الكثير من الحقائق :

أولها : أن مقولة تراجع الخطر الصهيوني على لبنان، مقولة خاطئة خطرة ومشبوهة. فهذه الشبكات كما تدل التحقيقات، ليست خلايا شُكلت لجمع المعلومات فحسب، وإنما هي خلايا متعددة المهام التنفيذية، بعضها مكلف بالقيام بتفجيرات، وأخرى مكلفة باغتيالات، وكثير منها تورّط في أعمال تأجيج العصبيات الطائفية والمذهبية، أي أن اسرائيل استبدلت العدوان العسكري، الرامي إلى احتلال الأرض بإطلاق حرب أمنية تستهدف وحدة واستقرار لبنان.

ثانيها : أن قسماً كبيراً من أعضاء هذه الشبكات، عمل سابقاً في أطر تعاملت مع إسرائيل وأجهزتها العسكرية والأمنية، أما في إطار عصابات لحد، أو في إطار ميليشيا "القوات اللبنانية" بمختلف أجنحتها كحراس الأرز وغيرهم. مما يفرض على الدولة أن تقوم بإجراء تحقيق تفصيلي ومعمق، حول كل هذه الأطراف قيادة وقاعدة، لسد الثغرات التي فتحتها هذه القوى في الأمن الوطني اللبناني، وبخاصة اختراقاتها للأجهزة الأمنية اللبنانية والجيش اللبناني، على أن يترافق ذلك مع سحب المنطق الطائفي، الذي حمى العملاء سابقاً، بتصوير أن محاكمتهم، إنما تشكل اعتداء على طوائفهم، لأن الخيانه لا دين لها ولا وطن لها، وعلى من يرتكبها أن يدفع الثمن غالياً لما أقدم عليه.

ثالثها : أن إسرائيل استغلت أجواء العصبيات الطائفية والمذهبية،التي أطلقتها بعض القوى التدويلية، لتجنيد عناصر ممن أعمتهم العصبية الطائفية والمذهبية، فحولوا الشقيق اللبناني إلى عدو، واعتبروا العدو الصهيوني حليفا. وإذا كانت هذه الوقائع تدل على شيء، فإنها دليل لا يقبل الدحض على أن العصبية الطائفية أو المذهبية، هي مدخل للعمالة، لايمكن التحصن منها، إلا بالتمسك بالوطنية الجامعة، والعروبة الحضارية، والثوابت الوطنية والقومية.

ورابعها : أن اتساع نطاق هذه الشبكات وتنوّع مهامها، مقرونة بتحضيرات الكيان الصهيوني، لمواجهة حرب جديدة، في ظل حكومة، تضم غلاة الصهاينة العنصريين، ينبغي أن يطلق لدى كل الوطنيين اللبنانيين جرس إنذار، بأن العدوان الأمني الإسرائيلي على لبنان، ربما يكون مقدّمة لعدوان عسكري جديد. وإذا كان الاستعداد العسكري هو خطوة على طريق المواجهة، فإن التحصين الداخلي لا يمكن تحقيقه، إلا في ظل تحالف وطني عريض، يتمسك بنهج الثوابت الوطنية والقومية، ويتخلى عن نهج الصفقات والمساومات، مع التكيّنات الطائفية والمذهبية، التي لم تجر على البلد إلا تمزقات واختراقات، والتي أسهمت في تضليل بعضهم عن أن "إسرائيل" هي العدو الأول للبنان واللبنانيين.