الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


(( المختار الثقفي على الفيسبوك )) : سامي شرف مدير مكتب عبد الناصر للمعلومات : جمال عبد الناصر حذر الإخوان المسلمين منذ سنة 1953 ثم نجحنا في اختراقهم في قيادتهم...:
* لم يتآمر أي ضابط حر مع الإخوان
* التنظيم الطليعي ليس تنظيم جوسسة
* عيب عبد الناصر الوحيد أنه كان كبير القلب
* خطط الإخوان لنسف مصر
حينما سألت صديقا مصريا، عن إمكانية أن يدلي الأستاذ سامي شرف، مدير مكتب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ووزير شؤون الرئاسة، بحديث يسجل فيه شهادته حول محمد حسنين هيكل، الموضوع الذي أبحث فيه في كتابي، أجاب بأن ذلك شبه مستحيل لأن الرجل لم يتحدث إلى أحد منذ سنة 1971 تاريخ اعتقاله، لكنه قال: الأستاذ عبد الله إمام صديقه، لو تخاطبه قد يتمكن من إقناعه، وفعلت… وجاءني الرد إيجابا، ودخلت بيتا متواضعا في مصر الجديدة، استقبلني فيه الأستاذ سامي شرف بحفاوة وكرم كبيرين، وبعد حديث قصير عن تونس وأخبارها، بدأنا اللقاء، وسجلنا ساعة ونصف عن هيكل، تعرضنا فيها إلى نقاط غامضة، وإلى أسرار لم تذع من قبل، وقبل أن أودعه قال: هل أطلب منك طلبا. أجبت طبعا بكل سرور، قال: أريدك أن تعطيني نسخة من التسجيل، وأنا أفعل ذلك حتى تعود وأحدثك فيما تشاء من معلومات وأسرار لم أتحدث عنها منذ اعتقالي سنة 1971.
وعدت وفتح كاتم أسرار عبد الناصر الباب على مصراعيه لاطلع على تاريخ بلاده وقمنا بأربع جلسات سجلنا فيها تقريبا كل شيء عن عبد الناصر والإخوان المسلمين وعن علاقة الريس (كما كان يلقبه طوال الحديث) بالشيوعيين وبالاتحاد الاشتراكي وعن هزيمة 1967 وصراعه مع صلاح نصر وعبد الحكيم عامر وعن محاولات الحركة العربية الواحدة وعلاقاته بحركات التحرر العربية وعن التعددية السياسية في عهد عبد الناصر ومشروع تعدد الأحزاب الذي لم يتمكن من إنجازه وعن انقلاب السادات في مايو 1971.
وتضمن الحديث أسرارا كثيرة بعضها رفض الأستاذ سامي شرف تسجيلها فكان يطلب مني من حين إلى آخر إيقاف المسجل، خاصة عندما يمس الحديث شخصا في سلوكه وحياته الشخصية…
الأستاذ سامي شرف رجل هادئ، قوي البنية، شديد التواضع، لا يملك بيتا ولا سيارة فارهة، فقط واحدة من نوع نصر 128. يجيب على كل الأسئلة مهما بلغ إحراجها، ويعتز بأنه كان الأقرب إلى قلب جمال عبد الناصر طوال فترة حكمه حتى وفاته…
اشتد اليوم صراع بين بعض الأنظمة العربية والحركات الإسلامية ووصل في بعض الأحيان، مثل حالة الجزائر، إلى مستوى مرعب من حيث بشاعته. هذا الصراع كان قديماً أيضا، ونشأته الأولى بدأت في مصر. وتُعد الحقبة الناصرية أهم حلقات هذا الصراع لأن مميزها الأساسي أن عبد الناصر لم يكن حاكماً معزولاً عن شعبه وإنما شخصية سياسية كاريزماتيه أشعت في مصر وفي كل أنحاء الوطن العربي.
( سامي شرف ) :
التقيت في القاهرة سامي شرف، مدير مكتب عبد الناصر للمعلومات ووزير شؤون الرئاسة وحاورته في هذا الموضوع الساخن.
ـ ما هي طبيعة العلاقة بين جمعية الإخوان المسلمين وثورة 23 يوليو 1952 في بدايتها الأولى؟
* تمت مقابلتان في يناير 1954 بين حسن عشماوي ومستر “كروزول” الوزير المفوض للسفارة البريطانية. وقد تمتا في يوم واحد. الأولى على الساعة السابعة صباحا، والثانية من الرابعة مساء حتى الحادية عشر مساء. هذه المقابلات، وعددها سبع، تمت في الفترة من نهاية مارس 1953 إلى يناير 1954. أما المواضيع التي تثار فيها، فكانت حول موقف الإخوان المسلمين من الثورة ثم القضية المصرية وكان رأي الإخوان المسلمين أن عودة الإنجليز إلى القاعدة في القنال، تكون بناء على رأي لجنة مشتركة مصرية- بريطانية، وأن الذي يقرر خطر الحرب هو الأمم المتحدة وهو الرأي الذي تمسك به الإنجليز أثناء المفاوضات ولم تقبل به ثورة يوليو الديمقراطية.
نقطة أخرى حول طبيعة العلاقة بين الثورة والإخوان المسلمين هو التنظيم في الجيش والشرطة. فقبل 1953 كانت هناك نواة من الضباط “الإخوان” يترأسهم الصاغ صلاح شادي ـ وهو أحد ضباط الشرطة السابقين ـ ويشاركه في المسؤولية، كل من عبد المنعم عبد الرؤوف وعبد المكارم عبد الحسين وعلى رأسهم جميعا ما يمكن تسميته بالأب الروحي لهذه التنظيمات العسكرية، الصاغ محمود لبيب، وهو أحد ضباط الرعيل الأول.
وألاحظ أن نشاط الإخوان في الجيش والشرطة زاد منذ سنة 1953 متوازياً مع تنفيذ أسلوب جمع الجيش والشرطة في وقت واحد. أما ضباط الصف فكانوا في تنظيم مستقل وكانت تبث فيهم روح الكراهية للضباط الكبار والإيحاء بأنهم أحق بقيادة الجيش منهم والحقيقة أن المؤسسة العسكرية تكون ناجحة أو فاشلة في مدى تماسك هرمها من القمة إلى القاعدة، وإذا وقع خلل فإن بناء العسكري ينهار تماماً..
وقد حذرهم الرئيس جمال عبد الناصر منذ 1953، وخاصة حسن عشماوي. قال له نحن نعلم بطبيعة نشاطكم في القوات المسلحة والشرطة، ونحذركم من مواصلة ذلك فوعد حسن عشماوي بإبلاغ المرشد العام بعد أن أدعى أنه لا يعلم شيئا. ولم يرد أبدا على تحذير الرئيس.
sa,i charafنقطة أخرى حول علاقة الثورة بهم تتمثل في نشاطات الطلاب، فقد مارسوا نفس الشيء في الاتصال بالجامعة، ولكن بشكل أوسع وبأقل حذر واستغلوها بكثافة حتى انفجار أحداث يناير 1954 حيث وقعت صدامات بالعصي، واحتكاكات متتالية… مما ترتب عنه اعتقال حوالي 500 عنصر من الإخوان المسلمين ولم يدم اعتقالهم طويلا فقد أفرج عنهم بعد حوالي شهر ونصف.
وكانت مسؤولية العمل الطلابي يتولاها اثنان: حسن نوح وعبد الحكيم… ثم أصدروا منشورات يتهمون فيها الرئيس بأنه يقوم بوساطة بين الدول العربية والاستعمار لحساب هذا الأخير والغريب أكثر أنهم اتهموه بأنه يعمل لحساب نوري السعيد (رئيس الحكومة العراقية) وزاهدي (رئيس الحكومة الإيرانية) وطالبوا بالتخلص من عبد الناصر ونوري السعيد وزاهدي… والكل يعلم، العدو والصديق، موقف عبد الناصر من نوري السعيد قبل حلف بغداد وأثناءه وبعده.. ثم هاجموا الاتفاقية التي جرت بين الثورة والإنجليز وتصادف في هذا الوقت أن اختفى حسن الهضيبي خلال شهر سبتمبر بالكامل.
بعد ذلك، جرت محاولة اغتيال الرئيس في ميدان المنشية بالإسكندرية على يد المدعو محمود عبد اللطيف. وهنا استحضر قولة للشيخ أحمد الباقوري وهو من الإخوان المسلمين : ” إن الزعم بأن إطلاق النار على عبد الناصر في ميدان المنشية هو حادثة مدبرة لا يقول به إلا أحد رجلين إما أن يكون هو نفسه شريكا في تدبير الاعتداء أو أن يكون من الذين يحرصون على أن يقذفوا الغيب من مكان بعيد”.
فالذي يعرفه الناس عن الإخوان المسلمين أنهم لا يدعون فاتكاً بهم أو ناصباً نفسه لمعاداتهم حتى يأخذوا بثأرهم منه وعلى هذا الطريق ساروا…
ـ هل يمكن الحديث عن وجود متعاطفين من الضباط الأحرار في قيادة مجلس الثورة مع الإخوان المسلمين وقدموا لهم بعض المساعدات؟
* بصفة عامة يعتبر أعضاء قيادة مجلس الثورة جميعا وطنيين وإذا كان هناك اتجاه أو ميل أو تأثر بنزعة دينية فكلنا نمتلك هذه النزعة الدينية الإسلامية والدليل على هذا فإن عبد الناصر لما سُئل في بداية الثورة من هو مثلك الأعلى قال محمد عليه الصلاة والسلام.. فالمحاولات التي تبذل للإيحاء بأن قيادة الثورة فيها من هو مرتبط ببعض التنظيمات السياسية المحددة ـ فيما عدا الشيوعيون – هي محاولات خاطئة.. فالخط العام كان متفقا عليه فأنا أستطيع أن أذهب بعيداً لأقول أنه كان هناك بروتوكول ودستور غير مكتوب بين الضباط الأحرار يؤكد أن من يتخلى فيهم عن موقعه عليه أن لا يتآمر على الباقين أو على الثورة. وقد نفذ والتزم الجميع به معنويا ، بدون وجود أي إلزام مادي. لقد حدثت اختلافات ولكن لم تصل أبدا إلى حد المؤامرات.
hassanbenna وعلى سبيل المثال، أعضاء مجلس قيادة الثورة في سنة 1956 قاموا بتنظيم الدفاع على قناة السويس، وفي سنة 1967 كانوا يداً واحدة في الدفاع عن البلد وضد التآمر عليه.. فهم وطنيون… ولا يختلفون إلا في “التكتيك”.
ـ سنة 1965، علم أحد ضباط الأحرار بالمؤامرة ضد عبد الناصر ولم يتحرك لإعلامه وإبلاغه؟
* مقاطعاً: من هو على وجه التحديد؟
ـ أجبت: كمال الدين حسين ( أحد ضباط الأحرار )
* هذه الواقعة تحتاج إلى التأكيد وبحث أعمق. مبدئيا. أنا لا أشاركك هذا الرأي، فحسب علمي أستطيع أن أنفي أن أي عنصر من الثورة كان يتآمر أو يعلم بمؤامرة والتزم الصمت.
ـ كيف تصارعتم مع فكر الإخوان المسلمين؟
* إن جميع الذين كتبوا في هذا الموضوع من مفكرين ومثقفين وسياسيين أجمعوا على أن فكر الإخوان المسلمين في معالجة قضايا المجتمع والمسائل الدنيوية فكر غامض.
ولقد عرفنا، أنهم يستخدمون الغموض لأنه يساعدهم على الانتشار فعندما يناقشهم أحد يلتجئون إلى الغموض حتى لا يمسك عليهم أية حجة. وهذا الأسلوب مخطط له واتبعوه إلى أيامنا هذه.
وتجد هذه الأفكار رواجاً في الأوساط غير المتعلمة الشبابية.
وفي هذا الموضع استذكر خطاباً للرئيس جمال عبد الناصر بعد مؤامرة 1965 يقول فيه هل حاكمناهم افتراءاً أم لأنهم كان لديهم جيش مسلح سيستعد للانقضاض على هذا الشعب، ألم يحدث هذا في سنة 1954 وهل بدأنا نحن بالعدوان، بل هل تركناهم في السجون؟ ألم يفرج على أكثرهم قبل أن تنتهي مدة العقوبة وخرجوا من السجن وأكثرهم موظفين ففصلوا وقمنا بإنجاز قانون جديد خاص لكي يعودوا لعملهم: فأنا لا أريد أن أتخلص من أي شخص في هذا البلد، إنني أريد أن أجمع كل أبنائه.
ـ كيف تم اكتشاف مؤامرة “الإخوان المسلمون” سنة 1965، هل كان ذلك عن طريق المباحث، أم المخابرات أم الاتحاد الاشتراكي؟
. faouizi nasser إن اكتشافهم كان سياسياً، أي من خلال الاتحاد الاشتراكي وتنظيمه الطليعي، فقد رصد نشاطهم في محافظة “الدقهلية” وأول بلاغ تم عن طريق التنظيم الطليعي، وهو لم يكن قط عن طريق المخابرات.
فليس صحيحاً أن هذا التنظيم تم تشكيله ليتجسس الابن على أبيه والأخ على أخيه.. إنه ليس جهاز جوسسة، ولماذا يتم ذلك والجميع مصريون، وأتحدى من كان يقول بأن التنظيم الطليعي كلفه بالقيام بتقرير ما ضد أخيه أو قريبه… فقط المسألة وطنية وعقائدية، فواجب على أي منتم إلى تنظيم معين أن يحمي تنظيمه حين يلاحظ من يترصده ويتربص به وتذهب المعلومات إلى الأجهزة المختصة.
لقد اكتشف أن اجتماعات واتصالات مريبة يقوم بها الإخوان المسلمين في البلد، منها جمع تبرعات مالية…
وفي تلك الفترة كنت مديراً لمكتب الرئيس للمعلومات، وعندما أخبرني التنظيم الطليعي بما يحدث، قمت بإبلاغه إلى عبد الناصر.
ـ كيف كان رد فعل الرئيس عندما أبلغته؟
* في الحقيقة، لقد أعرب عن اندهاشه، وقال: الناس دول، أكرمهم النظام، وخرجوا من السجون وعادوا إلى وظائفهم، وأخذوا مرتباتهم، ولم يحرموا من أي شيء… فكان حزيناً ومتألماً، وقال فلنتابع هذا الموضوع.
وأقول لك، أن عبد الناصر لا ينسى لإنسان موقف ما، في حدث ما، في يوم ما. ويبرر للإنسان المخطئ.. أنه قام ـ مثلاً ـ ذات يوم بعمل إيجابي لصالح الثورة. وذات يوم جاءني أبناء عبد الناصر وقالوا لي لقد عاشرت والدنا فما هي عيوبه فقلت لهم: ” كان عنده عيب واحد، لقد كان كبير القلب”… ولقد كانت ثورة يوليو ثورة بيضاء وكان مع الديمقراطية ضد الدكتاتورية، وكان يؤمن بالحوار…
ـ عمليا ما هي الإجراءات المباشرة التي اتخذها الرئيس لمواجهة هذه المؤامرة ؟
* الإجراء الأساسي، هو أن تتولى الأجهزة المعنية مباشرة التحقيق وهي المباحث والأمن الداخلي… ولقد أحس المتآمرون بتحركنا فقاموا بخطوات سريعة لتدارك الأمر وقد كانت مراقبة من التنظيم السياسي أكثر من المباحث العامة.
ـ والمخابرات العامة ألم تشارك في ذلك؟
* طبعا لا، لأن دور المخابرات العامة كما هو معروف محصور في التجسس الخارجي وفي مكافحة التجسس. أما الأمن الداخلي، وهو أمن الدولة فمسئول عما يحدث بالداخل رغم أنه قد يتعاون وينسق مع المخابرات…
. houthibi لقد تلاحقت الأحداث بسرعة، وكان لابد لنا من مصدر من داخل هذا التنظيم المعادي، أي لابد من اختراقهم.
ولقد تمكن مدير المباحث العامة حسن طلعت وهو سياسي وثوري إلى الوصول إلى مصدر في مستوى رفيع داخل هذا التنظيم، فتم اختراقه في أعماقه.
ـ ما اسم هذا المصدر؟
* أرجوك لأسباب عديدة، لا داعي لإعلان اسمه، وبدأت المعلومات ترد والصورة تتضح، فالتمويل من الداخل والخارج وكذلك التسليح، وثبت لنا وجود مخطط خارجي أجنبي – عربي- مصري مع الإخوان المسلمين، وبدأت الاعتقالات، والتحقيق معهم. وهناك اتضحت الصورة نهائيا.
ـ معروف عن الحركات الإسلامية أنها تضع في مخططاتها إمكانية اختراق أجهزة السلطة ومؤسساتها فهل حصل ذلك لأجهزتكم؟
* لا أستطيع الحديث عن اختراق ولكن وجدت بعض العمليات الصغيرة جدا مثل إسماعيل الغيومي وهو جندي في شرطة رئاسة الجمهورية تم تجنيده وبعد التحقيق معه، اتضح أنه يعمل لاغتيال الرئيس.
ـ ما هي ملامح خطة الإخوان المسلمين في الانقضاض على نظام عبد الناصر؟
* المخطط كان كبيراً ويشتمل على مسلسل تفجيرات تنسف الجسور والطرقات، ومحاولة نسف في طريق عبد الناصر، ومواجهة مجلس الوزراء بحزام من الألغام ومحاولات اغتيال شخصية..
. nasse2 ولا بد أن نلاحظ أن تطور الأحداث كان أسرع من مواكبة أمن الدولة، فحدث تكليف من الرئيس للمخابرات العسكرية أن تدخل في التحقيق. هذا ربما يعود إلى حادثة وقعت في جامع الأزهر، كان الرئيس سيصلي صلاة الجمعة في هذا المسجد وقبل ذلك ضُبط شاب حُقق معه فاتضح أنه يستعد لمحاولة اغتيال للرئيس وفي نفس اليوم وقع اجتماع في مكتب المشير عبد الحكيم عامر. وسأل وزير الداخلية عن هذا الموضوع وعوتب، حول كيف لا تكتشف وزارة الداخلية هذه المحاولة.. فالمفروض أن يكون هناك أمن كامل في هذه الظروف واتهم وزير الداخلية مفتش القاهرة وقال عبد الحكيم عامر ليجمد هذا المفتش حتى تُعرف نتيجة التحقيق. فتصدى حسن طلعت مدير المباحث وقال إذا كنتم ستحاسبون مفتش القاهرة فأنا مسئول قبله ولابد من أن يتوجه العقاب لي قبل أي إنسان آخر وكان موقفاً شريفاً ونبيلاً.
أنا، عندما خرجت أخبرت الرئيس بما حصل لأن الأمور تطورت وقد تصبح صراع أجهزة… فقال الرئيس: “لا، كل واحد يباشر عمله، حسن طلعت ومفتش القاهرة…”.
الخلاصة، أن هناك إصرارا لقلب نظام عبد الناصر واغتياله بأي شكل، فالعملية لم تكن نشر الدين ولا قراءة القرآن فقط وإنما الانقضاض على الحكم.
ـ هل كانت كتب أبو الأعلى المودودي والسيد قطب تباع في الأسواق؟
* كتاب السيد قطب “معالم في الطريق” كتبه في السجن وموضوعه الأساسي هو المجتمع الجاهلي وتكفيره، ولا طاعة للحاكم إلا للقرآن. ولما تمت الطبعة الأولى، رفضت نشره لجنة دينية من الأزهر وعرضت المسألة على عبد الناصر فوافق على نشره وتكرر طبعه أكثر من مرة، ومن هنا تساءلنا كيف يمكن لهذا الكتاب أن يروج بهذه السعة وبهذا الكم فبدأت شكوكنا تتجه نحو وجود تنظيم كبير يقف وراء هذا الكتاب.
وبدأنا الكشف عن خطوطه، وعرفنا مخططاتهم المتمثلة في تفجير محطات الكهرباء، والقناطر والجسور واغتيال المسئولين والمثقفين، والفنانين.. هذه كلها معلومات مثبتة في ملفات التحقيق الذي أُجري معهم.
ـ وكيف اكتشفتم خيوط تسليح هذا النظام؟
* كان ذلك في أواخر يوليو 1965، تحديداً في الدقهلية ودمياط، حيث اكتشف تنظيم التسليح الذي كان يأتي من السعودية عن طريق السودان. والتمويل كان عن طريق عمان وألمانيا.
وقد اعترف السيد قطب أنه أعطى أوامره لعلي عشماوي، للسفر إلى السعودية وترتيب مسألة التسليح.. كما اعترف بأن كل شيء قبل أن ينفذه الإخوان كان يُعرض عليه ليعطي أوامره.
وأود أن أبين أن تنظيم الأخوان كان متطوراً ومعقداً من الناحية الأمنية فكانوا يعتمدون مفهوم الرقابة المزدوجة فمثلا يكلف شخص “س” بالعملية، مثلا نسف القناطر الخيرية، ويطلب منه مراقبة واستكشاف المكان وفي نفس الوقت يعين له شخص آخر لمراقبته وهو يستكشف المكان وذلك لمعرفة نتيجته الأولى على أن الشخص “س” قام بمهمته كما يجب، والثانية هل هو مراقب من جهاز خصم أم لا. حتى يسارع في حالة ثبوت كشفه إلى إبلاغ القيادة بأن عنصرهم ” احترق”.
وهو نظام أمني معروف ( مراقبة من يراقب، ومراقبة من يراقب ) وهي قاعدة المراقبة المزدوجة وهي مشاعة في علوم الأمن والمخابرات.
ـ هل حقد عبد الناصر على الإخوان المسلمين وكرههم لما حاولوا إلحاقه به من أذى؟
* أبداً. إن عبد الناصر لا يحقد ولا يكره أحد وهو أعمق وأكثر إنسانية ممن يحاولون تشويهه، لكنه كان علمياً تجاه هذه الظواهر، فهو يضعها أمام الفحص ويحللها ويبحث عن أسبابها وكيف يمكن معالجتها ثم يحسم الأمر متجنباً إيذاء أكبر عدد ممكن من المذنبين وتحصر الدائرة في أضيق نطاق ممكن فهو مثلا حينما تبلغه معلومات بنشاط معين لمجموعة معينة ضد النظام يقول أجهضوه وهو في المهد حتى لا تتسع العملية ولا يتسع نطاق المورطين وتنحصر العملية في دائرة ضيقة…
سامى شرف.. كاتم أسرار عبدالناصر
ـ شُنت في أيام السادات حملة كبيرة ضد عبد الناصر اتهمته خاصة بتعذيب الإخوان المسلمين في السجون، فهل تم ذلك حقيقة؟
* طبعاً. حدثت بعض التجاوزات وليس هناك تجربة تخلو من أخطاء لكن ما هو حجم هذه التجاوزات، وأنا لا أبررها فمبدئيا التجاوز غير مبرر وغير مقبول. واليوم في أرقى الدول، أمريكا مثلا أو أوربا، قد يضرب شرطي بعصاه أحد المواطنين أو يطلق عليه النار فهو تقدير ميداني من رجل الشرطة الذي قد يخطئ.. نفس الشيء بالنسبة للمحقق وهو في بعض الأحيان يؤذي نفسيا أكثر من إيذاءه بدنيا. لقد حدث ذلك في فياتنام وغيرها حيث كان الأمريكيون يقومون بغسيل مخ أسراهم.
أيضا، وهذا هام جدا، إنك لا تستطيع أن تفرض على عبد الناصر الزعيم ورئيس الدولة أن يترك أعماله وهي كثيرة جدا، ويبقى في سجن طوال النهار ليراقب التحقيق هل أهين فلان أو ضُرب علان… إننا عندئذ نحمله أكثر من طاقته..
ـ لنأخذ مثال شهيراَ وهو كتاب زينب الغزالي الذي تقول فيه أن عبد الناصر وصلاح نصر يجلسان الساعات الطوال، وهما يراقبان تعذيبها؟
* لقد قلت أن عبد الناصر ليس له أي وقت لحضور أي تحقيق حتى النائب العام يرسل أحد مساعديه ولا يجد الوقت لحضوره شخصياً وما ورد من معلومات على لسان زينب الغزالي، وهو تشويه وكذب.. كما أن صلاح نصر لا يمكن أن يشارك في التحقيق لأنه مسئول المخابرات العامة، والتحقيق من صلاحيات أجهزة الأمن الداخلي.
ـ هل تراقبون أنشطة الحركات الإسلامية والإخوائية في بقية بلدان الوطن العربي؟
* آه، طبعا ( ويبتسم في خفة دم ويواصل )، أنا لي وجهة نظر أمنية، فأنا أعتبر أن جميع التيارات الدينية تنبع من منبع واحد، وإن اختلفت الأسماء والتسميات فإن الإخوان المسلمين هي شجرة واحدة تفرعت إلى فروع “فالجهاد” أو “التكفير والهجرة” أو ” الناجون من النار” كلهم من شجرة واحدة.
ـ هل رصدتم أنشطتها في الوطن العربي؟
* كانت في المشرق ، كسوريا والأردن والعراق.
ـ والمغرب العربي؟
* كلا، في هذه المنطقة كانت ضعيفة جدا في الستينات.
ـ لقد قرأت كتاب د. عبد الله أبو عزة “مع الحركة الإسلامية في الدول العربية” وهو قيادي إسلامي فلسطيني يقول فيه، لم نستطع استقطاب الشباب العربي في الخليج وخاصة في البحرين، لأنهم كانوا تحت تأثير سحر عبد الناصر والناصرية. فكيف كان الصراع يتم بين الناصرية والإخوان في هذا المجال؟
* أسباب تفوق الناصرية، أن عبد الناصر كان يخاطب العقل والقلب معا. فمخاطبة القلوب سهلة أما مخاطبة العقول فصعبة. فقط عبد الناصر نجح في مخاطبة العقل العربي ومن هنا بدأت الثقة بينهما. وهو كان يخاطب المواطن العربي، وكل مواطن عربي يشعر أن الخطاب موجه إليه ليحل له مشاكله وقضاياه.
وهذه الجماهير لم تكن عمياء ولا كسيحة ولكنها واعية في اختياراتها واختارت طريق عبد الناصر.
ـ مقر حركة الإخوان المسلمين العالمي كان في ألمانيا؟
* نعم.
ـ هل كنتم تتابعونها أمنيا؟
* لا، متابعتنا لها كانت سياسية وهي ترصد من خلال الأجهزة الرسمية الإعلامية وخاصة المنظمات الجماهيرية كاتحاد الطلاب والعمال والنقابات. الأجهزة تتولى المسألة الرسمية كجوازات السفر والتنقلات بالإضافة إلى أن الأجهزة في الخارج لها صداقات وعلاقات وتتحصل من خلالها على المعلومات. وأريد أن أؤكد أن الأغلبية الساحقة من المنظمات الطلابية في أوربا وأمريكا، كان يقودها الناصريون وليس البعث ولا الإخوان المسلمون. والبعث العراقي رغم أنه منافسنا لكنه لم ينجح في استقطاب الطلاب العرب ولا المحامين ولا العمال.. الخط الذي سيطر هو الخط القومي العربي، ولن أقول الناصري.
ـ هل كنتم متفائلين بإمكانية انتصار الناصرية على الإسلام السياسي جماهيرياً؟
سامي شرف وجمال عبد الناصر
ـ عندما خرجت من السجن سنة 1981، أكيد أنك لاحظت انتشاراً للحركات الإسلامية في مصر والوطن العربي، فكيف تفسر هذا الانتشار؟
* هذا الانتشار أحدثه النظام، فقد كرر لعبة الإخوان المسلمين مع فاروق في الأربعينات، نفس الشيء أعاده السادات.
أنا ليس لدي معلومات عن كيفية اتخاذ قرار دعمهم لأنني كنت في السجن. ولكن أتساءل كيف اتخذه؟ هل كان بمحض إرادته؟ أم فرض عليه؟
والصورة تمثلت في أن السادات كان يرغب في القضاء على التيار الناصري القومي بمساعدة الإخوان، فحدثت صدامات عنيفة بين الإسلاميين والناصريين.. علما بأنه لم يكن يوجد خلاف بين عبد الناصر والإسلام. ولا يوجد خلاف بين القومية العربية والإسلام. فالقومية العربية هي أحد اللبنات الأساسية في انتشار الإسلام.
ولنعود إلى أصل وجوهر المسألة، فنتساءل هل أن الإسلام مع الإقطاع أم ضده، هل هو مع الاستغلال الرأسمالي أم ضده، هل هو مع التفقير والتجويع أم ضده… الإجابة طبعا ضد، لذلك فأين الخلاف بين ما جاء به عبد الناصر وما جاء به الإسلام ؟
( القاهرة، أغسطس 1991 ) .