الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


 

(( دمشق ـ سانا ـ محمد خالد الخضر : 4 / 7 / 2015 )) : يسعى الباحث الدكتور علي القيم في كتابه الجديد “ولنا في الرؤى أثر دراسات أثرية وتاريخية” إلى استعادة الهوية السورية عبر التاريخ بشكل علمي ومنهجي مدعم بالوثائق والمكتشفات الدقيقة التي تؤكد باليقين القاطع أن سورية سكنت منذ بداية العصر الحجري القديم أي منذ أكثر من مليون سنة خلت واستمرت دون انقطاع في العصور التاريخية التالية مؤكدا وجود مكتشفات أنثروبولوجية وأثرية معروضة في متاحفنا ذات قيمة فريدة لا وجود لها في العالم.

كما يبين القيم في كتابه أن الثورة الزراعية حصلت في سورية منذ 1200 سنة قبل أي مكان آخر من العالم وأن الخصائص الجغرافية لهذا البلد جعلتها مناسبة لظهور المجتمعات الأولى في العالم التي اعتمدت على الرعي والزراعة حيث اختار سكنها مجموعات بشرية ضمن بيئتها الطبيعية الملائمة لمعيشتها الغذائية واستقروا فيها بصورة دائمة.

وفي الكتاب يرى القيم أن المجموعات السكانية في الساحل السوري ومنطقة الفرات الأوسط وحوض النهر الكبير الشمالي وحوض نهر العاصي والبادية السورية وحوض دمشق صيغة مبكرة جدا لآلية العمل الجماعية وتطور علاقاتها مع بعضها ومع جيرانها. وفي دراسته كتب القيم إن العيش ضمن جماعة منذ الألف العاشر قبل الميلاد يفرض تقاسم نظم وقيم ومواثيق واتفاقيات وطقوس بين الناس ومنذ هذا المنطلق كانت سورية أحد أقدم المناطق في العالم التي قامت فيها تجمعات إنسانية بتجريب صيغة جديدة للحياة أدت إلى تشكل الحضارة الإنسانية الأولى.

وتتميز الحضارة بحسب القيم قبل كل شيء بتنظيم اجتماعي منظم ومعقد يقوم في أساسه على نظام طبقات هرمي تقوده النخبة السياسية التي يحكمها شخص أو رئيس واحد حيث استند التنظيم الاجتماعي للحياة القروية على الزراعة وتدجين الحيوانات وارتبط أعضاء المجموعة بعلاقات عائلية تتمتع بنظام نخبوي كان بمثابة نواة لنظام سياسي محتمل.

ويرعى المجموعة حاكم أو طبقة حاكمة مرتبطة عادة بالعائلة نفسها وانطلاقا من هذا التنظيم الاجتماعي والسياسي توضحت البنى الاجتماعية ضمن القرية الزراعية التي لا تضم عادة أكثر من عائلات عدة حيث شهدت سورية القديمة المرحلة الأولى لنشوء القرية التجارية التي يديرها رئيس واحد يعتمد في ممارسة سلطته على طبقة من الموظفين ومنها كانت بدايات تشكل المدن وممالك المدن السورية مثل ماري وإيبلا وتوتول وترقة وأوغاريت وغيرها.

ولفت القيم إلى أن الإنسان في سورية قام لأول مرة في العالم بزراعة النباتات الموسمية وتربية الحيوانات وحقق الازدهار والتطور والتوسع في الانتاج والتجارة وعمليات التبادل والتوزيع في إطار تخصصي مدروس مبينا أن الإنسان السوري ايضا كون رؤية واسعة المدى عن الكون والعالم وأدرك ما يحيط به من قوة طبيعية وما وراءها واشترك بأيديولوجية جماعية تعبيرا عن تطلعات وعن مخاوف مكبوتة وعن تفسيرات لهذه القوة كلية الوجود فكانت محاولات لفهم هذه الظواهر وتفسيرها تفسيرا منطقيا والتي دونت في كتابات وأساطير وتعاليم وفلسفة وافكار دينية وتربوية.

وأوضح القيم أن المظاهر الإلهية اتخذت في المجتمعات القديمة في سورية سمات إنسانية وأنثوية في بداياتها في تل المريبط وتل أسود وتل بقرس وتل الرماد وأوغاريت وغيرها وأن طريقة التقديم للأفكار المجردة ارتبطت بالجسد الأنثوي رمز الخصوبة والعطاء والتجدد ثم أطلقت على هذه الآلهة تسميات بعد تجسيدها بشكل أفضل وكانت القصص الميثولوجية التي تقوم بتوضيح العلاقات المتبادلة بين الواقع الأرضي والقوة الإلهية المهيمنة والمشاركة مع العالم الآخر.

وفي الدراسة كان جلجامش أول ملك حلم بفكرة التوحيد المركزي ولكن حلمه لم يتحقق ولكنه اقترب من الواقع عندما بسط حكام مملكة ماري التي هي تل الحريري حكمهم على نهر الفرات الأوسط والتي تخبرنا لائحة ملوكها بوجود علاقات سياسية واسعة بين سومر وسورية. كما أورد القيم أن أرشيف النصوص الكتابية في أوغاريت على الساحل السوري يعطينا فكرة واسعة وغنية عن عالم الآلهة والأساطير في الألف الثاني قبل الميلاد ويقف على راس الآلهة الإله إيل إله السماء بينما يظهر الإله بعل ابن إيل إله الخصب والثور الذي يتصدر مركز الأحداث في الأساطير الأوغاريتية.

أما رفيقته وأخته عشتار الهة الحب العذراء التي لم تكن مرتبطة برجل أو بإله وهي سيدة الجبال التي لا تقاوم تنتصر لأخيها الإله بعل وتقوم بإنقاذه من براثن إله الموت وسيد العالم السفلي ومنها نشأت أسطورة موت وقيامة الإله بعل التي وجدت بأشكال عدة في الأساطير المصرية والحثية والحورية والميتانية واليونانية والرومانية وغيرها.

الدكتور الشاعر نزار بني المرجة رئيس تحرير جريدة الأسبوع الأدبي قال إن الدكتور علي القيم أغنى بدراساته المكتبة السورية والعربية نظرا لما أتاه من استنتاجات منهجية جديدة دلت على قدرته بالإلمام في البحث الأثري والتاريخي الذي يمتلك القدرة على إثبات شخصية سورية بمكونها وأهميتها. ورأى الناقد رضوان هلال فلاحة أن كتاب الدكتور علي القيم “ولنا في الرؤى أثر” إضاءات معمارية النظر المعرفي والأيديولوجي والتاريخي ارتكزت بدقة على الحفر الأثري العلمي الذي يثبت الوجود الإنساني والحضاري السوري الفاعل والفعال والعميق الأثر في السيرورة الإنسانية وأشكالها السلوكية والمعرفية.

الدكتور القيم فيما قدمه من بحوث ودراسات أثبت أنه من القلائل الذين ظلوا على الساحة الثقافية ويعملون بسلوك علمي وفكري وأدبي كما أنه تفرد بتقديم وثائق ودلالات على أهمية سورية ومكانتها العليا منذ أن بدأ التكوين الإداري والمدني ومنذ أن وجدت الحضارات إضافة إلى أنه لا يقتصر على البحث والدراسة بل يغنيها بربط شائق يدل على أدب قادر على امتاع المتلقي في تعاطيه مع القضايا التي يذهب إليها.