الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


 

(( مرسل للنبض ـ بقـلم حسن شقير )) : مع الساعات الأولى لإعلان توقف العدوان الصهيوني على قطاع غزة المحاصر منذ ما يزيد عن السنوات الثماني ، بدأت القوافل الإغاثية تجتاز المعابر الصهيونية مع القطاع الجريج ، وبسرعةٍ يكاد معها البعض يعتقد خاطئاً - وللوهلة الأولى - أن الكيان الصهيوني ، يريد من اندفاعه ذاك ، أن يبرهن عن حُسن نواياه تجاه الفلسطينيين والعالم ، وبأنه ملتزمٌ وبشكل جدي مع بنود التفاهمات الجديدة ... أو أن هذا الكيان قد وصل من القناعة الراسخة ، بأن التسويف في السماح بإدخال المساعدات قد يترتب عليها ردات فعل دولية ، أو حتى من قبل الدول الضامنة لهذه التفاهمات ...
لا نعتقد - وبحسب المعرفة المتواضعة بعقلية نتنياهو وثنائي العدوان معه - أن هؤلاء الثلاثة يقيمون وزناً لما ذكرتاه ، أو أنهم من " أهل المواثيق والعهود " ، فالتاريخ القريب والبعيد ، يشهد لثلاثي العجرفة ، مدى صلافتهم ولحسهم لعهودهم ووعودهم ....
إذاً أين تكمن تلك القطبة المخفية في تلك الموافقة الصهيونية لإيقاف تلك الحرب الهوجاء على المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ، دون أن يحصل هذا الكيان على أية بارقة أمل فلسطينية أو عربية ، أو حتى دولية ، من إمكانية لاحقة ، لوضع موضوع نزع سلاح المقاومة في غزة على مشرحة البحث أقلّه !!! ، أو حتى دون وضع ألية معينة ، ليس في عدم ترميم وتطوير قدرات المقاومة العسكرية في القطاع ... إنما قد تجاوز الصهاينة ذلك ، إلى حد أنهم لم يطلبوا في بنود التوافق ، وبشكل واضح ، أنه يجب وضع ألية جديدة ، لمنع استخدام مواد البناء التي ستدخل إلى غزة ، في موضوع إعادة ترميم الأنفاق ، والذي كان تدميرها ، يُمثّل الشعار العريض الذي تسلّح به نتنياهو طيلة مدة العدوان الأخير على القطاع !!
حقيقة الأمر ، سيكون من السذاجة بمكان ، إذا اعتقدنا فعلا ً أن نتنياهو ، وبفعل ضيق الخيارات أمامه ، قد أضحى بين ليلة وضحاها ، إلى " فاعلٍ للخير " !!! أو أنه لم يعد قادراً على تضمين تلك التفاهمات بنودٍ - ولو شكلية - تحفظ ماء الوجه لديه أمام الرأي العام الصهيوني ، والمنقسم على نفسه بخصوص نتائج " الجرف الصامد " المحصلة على الأمن الصهيوني ، لا بل إن النسبة الأعلى من هذا الجمهور ، تعتقد أن نتائج تلك الحرب ، لم تكن بمستوى أمالها وطموحاتها، في ولوج عتبة الأمن والأمان المنشودة لديها على الدوام ...
إذا ، والحال كذلك ، فما الذي يمكن أن يكون قد دفع نتنياهو إلى القبول بهكذا تفاهمات ، لا تلبي بالتأكيد غريزته العدوانية ؟ والسؤال الأخر الأساسي : ما هو سر هذا الترحيب السريع والحار من قبل أمريكا بهذا التفاهم المعقود ؟
المسألة لا تحتاج إلى كثيرٍ من التحليل والتدليل ، فقبيل وبعيد الإتفاق المرحلي ما بين إيران ودول الخمسة زائد واحد ، كانت العلاقة ما بين أوباما ونتنياهو ، ليست على أفضل حالها ، وذلك بسبب اختلاف النظرة بين الرجلين ، حول الجدوى الأمريكية من الرفع الجزئي لتلك العقوبات ، على الرأي العام الداخلي في إيران ، لا بل وعلى السياسة الخارجية الإيرانية تجاه الملفات الساخنة في المنطقة ... فكانت تلك النظرة الأمريكية ترى في ذاك الفعل الجزئي ، بأنه يخدم وبلا شك إضعاف منطق " المحافظين والمتشددين " في إيران لصالح " المعتدلين " على المسرح السياسي الإيراني ... أما النظرة الصهيونية فكانت على طرف نقيض من تلك السياسة الأمريكية تجاه موضوع العقوبات على إيران ، بحيث أنها تعتقد أن هذا الرفع ، سيؤدي ، وبلا شك في تعويم ودفع النعمة الإيرانية المتجددة ، في ميادين الصراع الإيرانية..
منذ ذلك الحين ، اتسع الإختلاف الصهيوأمريكي حول تخفيف أو إبقاء أو تشديد العقوبات على إيران ، والذي حُسم حينها لصالح أوباما .. وبقي الحرد الصهيوني على حاله من تلك الإستراتيجية الأمريكية تجاه إيران .....
سرعان ما تطورت الأحداث رويداً رويداً على أرض فلسطين في الضفة الغربية ، ثم في قطاع غزة تالياً ، واندلعت عملية الجرف الصامد الصهيونية ، ورُفع الشعار الصهيوني لها ، ولو بشكل خفي ، من أن هذه الحرب لن تنتهي ، ما لم تضع السلاح المقاوم على مشرحة البحث في أية تفاهمات لاحقة .. وخرج إلى العلن من تلك الأهداف ، ما يتعلق بالأنفاق وتدميرها ، وذلك قد أضحى مفضوحاً سببه فيما بعد، فلقد تعلّم نتنياهو من مشنقة أولمرت السياسية والتي عُلّقت له بعيد حرب العام 2006 في لبنان .
بعد خمسين يوماً من عملية الجرف الصامد ، والتي لم تحقق أهدافها الكبرى ، ولا حتى الصغرى منها .. وبعد أن وصل نتنياهو إلى عنق الزجاجة ، حيث ضاقت الخيارات أمامه إلى درجة الصفرية ... جاءته الوصفة الأمريكية ، بعد أن تمرّد عليها طوال فترة عمليته العسكرية ، على أمل تحقيق غاياته وتغليب النظرة الصهيونية على الأمريكية في هذا الملف ، بعد أن غلبت النظرة الأمريكية تلك الصهيونية في الملف النووي الإيراني ، وكما أسلفنا سابقاً ...
باختصار شديد ، يتجلى سلم النجاة الأمريكي ، الذي أنزل نتنياهو عن شجرة أهدافه العالية من حربه الأخيرة ، والتي كان همس بها أوباما في أذان بعض محللي السياسة الصهاينة في ديسمبر من العام الماضي ، وذلك على هامش انعقاد منتدى سابان الأخير في أمريكا ، حيث نقل هؤلاء عنه ، بما مضمونه - وقد أوردنا ذلك سابقاً في مقالة " إصرار أمريكا في المفاوضات برؤية خلفية - من أنه من الواجب لدفع تلك المفاوضات المتعثرة ، فإنه على الحكومة الصهيونية أن تجعل من الضفة الغربية أنموذجاً إقتصادياً مميزاً ، ومغرياً لقطاع غزة ... وأن تجعل من الشباب الضفاوي ، الذي يعيش رخاءً مادياً واقتصاديا ومهنياً ... مثالا ً يحتذي بهم الشباب الغزاوي ، والذي يعيش الفقر والعانة في القطاع ...!
لقد رفض نتنياهو ، في حينه ، هذه الإستراتيجية الأمريكية ، بحجة أن الرخاء الإقتصادي الموجود في الضفة الغربية ، ليس سبباً في الهدوء النسبي الذي تعيشه الضفة ... إنما ذلك مرده إلى التواجد الصهيوني المباشر وغير المباشر فيها .. وكان يحتج دائماً ، أن التخلي عن قطاع غزة ، لم يجلب له الرخاء الجاذب للهدوء ... إنما حوله إلى منشأة عسكرية صناعية بامتياز... !
لم يكن أمام نتنياهو للخلاص من فشله في جرفه الصامد ، إلا ّ النزول عبر السلم الأمريكي الوحيد الذي امتد له ، ولكن بشروط ورؤية أمريكية ، وليس بحسب الرؤية الصهيونية ... حيث ابتلعها نتنياهو مجدداً ، وذلك رغماً عنه ...
إذاً ، المرحلة القادمة، حذرة وحساسة ، وتحتاج إلى الكثير الكثير من التماسك الفلسطيني ، وكذلك الفهم العميق للمرحلة الجديدة في قطاع غزة ، إن من خلال المفاوضات الصهيونية - الفلسطينية غير المباشرة في القاهرة ، أو حتى تلك التي يمكن أن تجريها السلطة الفلسطينية مع الكيان الصهيوني ، في إطار ما يُسمى إحياء عملية التسوية ...
فلقد ذكرت صحيفة هأرتس الصهيونية في افتتاحيتها في 28- 08-2014 ، ما حرفيته " .. لقد انتهجت دولة إسرائيل حتى الأن سياسة أن الهدوء يجلب التطوير الإقتصادي ، ولكن هذه السياسة انهارت في قطاع غزة ، وحان الوقت لتبني سياسة جديدة ، قوامها أن التطوير الإقتصادي هو الذي يحقق الهدوء .. "
إذاً ، المرحلة الجديدة في غزة ، عنوانها ، تبني دولة الإحتلال الخطة ب مرغمة في قطاع غزة ، والتي يأمل منها أوباما - كما أمّل سابقاً في إيران - أن تجعل من الشعب الفلسطيني الغزي تحديداً ، يتلمس حلاوة رفع العقوبات والحصار عنه ... علّ ذلك ، يُسبب شرخاً مجتمعياً ، حول فكرة المقاومة برمتها في القطاع ، حيث يستبشر منها أوباما ومعه نتنياهو ، أن يُحدث ذلك صراعاً خفياً أو حتى معلناً بين تيارين فلسطينيين غزيين ضمن بيئة المقاومة الواحدة ... يدخل فيها المجتمع الفلسطيني في صراعاتٍ مجتمعية ، يتوهم الإثنان معاً في الوصول إليها ...
إنها عودةٌ صهيونيةٌ إجبارية ، إلى لغة الحرب الناعمة على الساحة الغزية ، كما سبقتها الساحة الإيرانية ... حيث يتوقع للنتائج أن تكون فيها مشابهةً لها ، بحيث أن الرخاء الإقتصادي في القطاع الفلسطيني ، المطلوب والمفروض أمريكياً ، والمسكوت عنه - رغماً عنه - صهيونياً ... سيؤدي ، وبلا أدنى شك ، جرّاء ذلك ، أن تحل تلك النعمة الإقتصادية الموعودة ، رخاءً على العقل العسكري الفلسطيني ، في مضاعفة القدرات وتهيئة الأرضية للمعركة الكبرى والقادمة مع الكيان الصهيوني
( باحث وكاتب سياسي ـ بيروت في : 1 / 9 / 2014 ).