الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


 

(( مرسل للنبض ـ بقـلم حسن شقير )) : بالأمس أطل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ، معلناً بأن نزع سلاح المقاومة الفلسطينية هو وهم ٌ .. وأن ذلك ممكن التحقيق بشرطين أساسيين ، هما : " التحرير الكامل لفلسطين .. ونزع السلاح الصهيوني "
سبق هذا الموقف الطبيعي لأبي الوليد ، موقفٌ أخر للمدعو يوفال ديسكين ، رئيس جهاز الشاباك الصهيوني السابق ، حيث خلص في مقالة له في صحيفة يديعوت العبرية في 22- 07-2014 ، تحت عنوان " يجب عدم وقف المعركة قبل تحقيق الحسم العسكري الحقيقي " ، إلى أن الحرب التي يشنها الكيان الصهيوني على قطاع غزة ، لا يجب أن تتوقف ضمن أي إتفاق مستقبلي ، لا يتضمن بندين رئيسيين : أولهما مدني ، والأخر أمني ..
أقر ديسكين ، بأن مسألة رفع الحصار وإزالة القيود عن قطاع غزة ، وتقديم تسهيلات العيش للمواطن الغزاوي ، هي البند الرئيسي الأول في أي اتفاقٍ أتٍ ، وأن هذا الموضوع محسوم أمره صهيونياً ، قبل أن يكون مطلباً رئيسياً لفصائل المقاومة ، وهذا الأمر - بالمناسبة - ليس مكرمة صهيونية استجدت على الفكر الصهيوني بعد معركة " الجرف الصامد" ، إنما فرضته الإستراتيجية الذكية للمقاومة الفلسطينية في إفشائها المحذورات والمفاجأت دفعةً واحدة ، وبسرعة لا تحتمل التدرج في هذه المعركة ، مما جعل من عملية تيئيس الكيان الصهيوني من جدوى التمسك بالحصار ، بغير ذي فائدة على المستويين التكتي والإستراتيجي على حد سواء ...
إذا هذا الشق " المدني " - كما عبّر ديسكين - ، ليس العائق الحقيقي في الوصول إلى التهدئة ، والذي للمناسبة يتضمن مختلف شروط المقاومة الفلسطينية ، إنما تبرز العقدة في الشق " الأمني " من هذا الإتفاق المنشود ، بحيث عبر في متن مقالته تلك ، بأنه يجب وضع رقابة دولية على " نزع تدريجي للصواريخ الفلسطينية في القطاع ، ومنع إنتاجها وتطويرها وتهريبها .. " مبدياً اعتقاده ، أن نجاح هذه العملية يجب أن ترتكز على عناصر إجبارية ثلاث : " السلطة الفلسطينية ومصر والجامعة العربية والمجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة " .
إذاً ، يبدو أن مكامن العقدة الحقيقة التي تدور حولها جولات التفاوض الدبلوماسية ، هي بإختصار تتمثل بنزع السلاح المقاوم الذي يُوضع اليوم في مقابل تلبية جميع الشروط المدنية للمقاومة الفلسطينية .. بحيث أن الصهاينة لا يريدون أن يكرروا ألية وقواعد اشتباك ال1701 بعد العام 2006 ، والتي جعلت من المقاومة في لبنان اليوم أشد قوة وأكثر تسليحاً مما كانت عليها قبيل تلك الحرب - الفيصل !
عملياً ، ولغاية اليوم ، لقد أنجزت المقاومة في غزة اكتساب الشرعية الوطنية وحتى الدولية في هذه المعركة من خلال تركيزها كعنصرٍ أساس ضمن الثلاثية الذهبية الفلسطينية ، وجعلت من الحصار على القطاع - كما أسلفنا - بغير ذي جدوى ...
ولكن سرعان ما وجد الصهاينة أنفسهم في " جرفهم الصامد " أمام مأزق الثلث الأخير من هذه المعركة ( ثلث النهاية ) ، وخصوصاً أن هؤلاء قد فوجئوا بمدى الإعداد العسكري للمقاومة لحرب قد يطول زمانها نسبياً ... مع إنجازات صهيونية لغاية اليوم ، لا تتعدى المجازر الوحشية ،والتي لا يستطيع العدو التمادي بها إلى ما لا نهاية ، وبفعل حسابات عديدة لا مجال لذكرها الأن .. وقد فوجئ الصهاينة أيضاً بموت ما يُسمى بالمبادرة المصرية ، والتي كان تقديرنا لها ، ومنذ لحظة إعلانها ، بأنها طوق نجاةٍ للصهاينة في مسار الحرب ، وفي أسبوعها الأول ..
في الأسبوع الثالث لهذه المعركة ، بدأ يظهر على الأرض ، توازنٌ ثلاثي الأبعاد، يقر به القاصي والداني ، يمكن اختصاره على الشكل التالي :
غير متكافئ مادياً وبشرياً لصالح الصهاينة ( في الإطار المدني )
متفوق عسكرياً في الميدان العسكري لصالح الفصائل المقاومة
متفوق معنوياً ونفسياً في الجبهة الداخلية لصالح الفلسطينيين .
إذاً ، وفي عملية حسابية بسيطة ،هناك بُعدان لصالح المقاومة ، وبُعد لصالح الكيان الصهيوني في وجهه المادي ...
ولكن مهلاً ، فالتاريخ يشهد أن جميع الحروب التي خاضها الكيان الصهيوني منذ استيلاده على أرض فلسطين ، قد لقنت الصهاينة درساً عميقاً ، بأن الشعار الذي طبقوه في حروبهم تلك ، والذي جاء لاحقاً تحت مسمى " عقيدة الضاحية " لم يجعل من المواطن العربي ، المستهدف الأول في هذه العقيدة ، أن يرفع الراية البيضاء ، أو أن ينقلب على مقاومته .. لا بل على العكس فإن نتائج تلك الاستراتيجية الصهيونية في " تدفيع الثمن " لم تأتي على الصهاينة إلا بنتائج عكسية تماماً ... هذه القضية ، لم يستطع الصهاينة لغاية اليوم فهمها ، بسبب عجزهم السرمدي عن
فهم سيكولوجية الإنسان العربي العادي ، والذي سرعان ما تجعله تلك الوحشية الصهيونية ، إلى التشبث أكثر فأكثر بعقيدة المقاومة ... وكل تجارب الحروب الصهيونية الماضية ، ونتائجها في البيئة المجتمعية للمقاومة ، خير شاهدةٍ على ذلك .
إذاً ، الأبعاد الثلاث أعلاها تصب في خانة المقاومة في المعركة الحالية ... والإيغال الصهيوني الزمني فيها ، يجعل من الكيان أمام ثلاث خيارات لا رابع لها .. سنستعرضها بكل شفافية :
- الخيار الأول : الخضوع للشروط المقاوٍمة : والتي تتمثل بالموافقة الصهيونية ، والرضا الفلسطيني على الشق المدني من أية مبادرة تطرح ، ولكن ليس بالشروط التي أسلفنا ذكرها فيما يتعلق بنزع السلاح وألية الرقابة عليه - إنما بألية قد تكون مقبولة ً لدى فصائل المقاومة في القطاع ، لا تبتعد في جوهرها ، ولا تتعداها بخطوة واحدة ، لما كانت عليه المسألة فيما يتعلق بوقف العمليات الحربية في الرابع عشر من أب 2006 ، وقواعد الإشتباك الحالية ...
لا يخفى على أحد مدى الحنق الصهيوني من تلك القواعد التي سمحت للمقاومة اللبنانية ، ليس بالإستمرار فقط ، إنما جعلتها تزداد قوة وعتاداً وإعداداً ....
بإختصار ، فالهزيمة الصهيونية واقعة ، إذا ما وافق الصهاينة على تلك الشروط ، وتخلوا عن مبدأ الرقابة ، والتي يريدون منها نقل المعركة إلى داخل البيت الفلسطيني والعربي ، فضلا ً عن محاولته نقل الصراع مع المقاومة الفلسطينية ، إلى صراع بين هذه الأخيرة والمجتمع الدولي برمته .. تماما ً كما خُطط قبيل استصدار القرار 1701 ، وذلك عبر مشاريع القرارات التي كانت تتبناها أمريكا ومعها الغرب ، وذلك قلب أن تأدها المقاومة في الميدان ، قبيل استيلادها ...
ما أشبه الميدان الفلسطيني اليوم بسابقه اللبناني في العام 2006 .
- الخيار الثاني : إيقاف العدوان من جانب واحد : لا يمكن لمتابع الحدث الغزاوي ، إلا ّ أن يضع هذه الفرضية في إمكان الحدوث ، والسبب في ذلك لا يحتاج إلى الكثير من التحليل ، كون الكيان الصهيوني ، لم يعلن أهدافه الإستراتيجية الكبرى من هذه المعركة ، وذلك خوفاْ من الفشل من ناحية ، ومن ناحية ثانية ، فإن تطورات الميدان ومفاجأت المقاومة المتراكمة ، فضلا ً عن الصمود البطولي للشعب الفلسطيني خلف مقاومته وعدم نجاح الكيان الصهيوني لغاية الأن في دق الأسافين في لوح المصالحة الفلسطينية ...ناهيك عن المجازر التي بدأت تضغط أكثر فأكثر على الرأي العام العالمي والنظام الدولي المتأمر مع الكيان الصهيوني ، حيث بدأت الأصوات تعلو رويداً رويداً من أولئك الداعمين بضرورة تذكير الكيان أن المهلة المعطاة له، أخذةٌ بالنفاذ..هذا إذا نحينا الأصوات الصهيونية التي ستتعالى بأن العملية قد أوقفت دون تحقيق أية إنجازات حقيقية .. كل ذلك سيجعل من مراسيم تعليق المشانق السياسية في كيان العدو ، قد تطل برأسها من جديد ، وإحياء فينوغراد 2006... وهذا الخيار ، إن سار به العدو ، سيعتبر هزيمة ما بعدها هزيمة ...
- الخيار الثالث : إطالة زمن العدوان : لا شك أن الكيان الصهيوني ، يُدرك اليوم أكثر من غيره ، أن معارك عض الأصابع ، ليس بارعاً بها ، وأن تاريخه يشهد على صراخه قبل " عدوه" بأشواطٍ زمنية ، ولا داعي للتذكير بما حدث من انقلاب صهيوني في حرب العام 2006 ، من خلال التبدل الذي طرأ على موقفه ، وذلك بعيد خسائره الفادحة في الأيام الأخيرة لتلك الحرب ، من موقف مطالب بأقسى القرارات الدولية الرادعة ، إلى لاهثٍ يبحث عن وقف الحرب ، وبأقسى سرعة !!
من جانب أخر فإن لعبة الإستنزاف التي جربها الكيان الصهيوني عبر مستخدميه من الإرهابيين على الأرض السورية ، قد أصيبت بنكسات كبرى ، فضلا ً عن أنها قد انقلبت في إحدى جوانبها على الكيان ، بأن حوّل هؤلاء المستنزفون ، التهديد إلى فرصة في أكثر من موضع ... وهو بالتأكيد لا يحبذ هذه التجربة أن تتكرر على الساحة الفلسطينية ، ناهيك عن خوفه من الإستنزاف المضاد الذي يصيب الكيان مباشرة بفعل المقاومة الفلسطينية ، والذي لا يمكن له أن يتحمل تبعاته ، بفعل عوامل شتى ، لسنا في وارد البحث بها ...
اذاً ، بخلاصة القول ، فإن معركة " الجرف الصامد " الصهيونية ، جرفت ما تبقى من النظرية الأمنية الصهيونية ، وثبتت - بفعل نتائجها المحققة واللاحقة - معادلة النصر الإستراتيجي الفلسطيني الأول ، بعيد اندحار الإحتلال عن القطاع في العام 2005 ، والذي لا شك أنه سيكون له تداعيات استراتيجية كبرى في المنطقة برمتها .
( باحث وكاتب سياسي ـ بيروت في 24 / 7 / 2014 ).