الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


كباش حزب الله وسوريا ... في زمن التيه الإستراتيجي

(( مرسل للنبض ـ بقـلم : حسن شقير ـ باحث وكاتب سياسي )) : عجّت الأوساط السياسية المحلية والإقليمية مؤخراً بالتحليلات المستفيضة بشأن الغارة الصهيونية مؤخراً على موقع لحزب الله داخل الأراضي اللبنانية , وذلك لناحية تناول أبعادها وأهدافها , وطبيعة رد حزب الله عليها ... وقد دخلت بعض تلك التحليلات في عالم المماحكات وتسجيل النقاط , وصولاً إلى حد الشماتة في بعض الأحيان ..
ولكن , وبقطع النظر عن هذا وذاك , وحرصاً على قراءة دلالات تلك الغارة في سياق المشهد العام لما يجري في سوريا والمنطقة من تطورات متسارعة في الميدانين العسكري والسياسي , فإننا سنحاول ربطها مع جملة من المعطيات , ضمن سياق إستراتيجي حالي لمثلث أقطاب دولي معنيٌ في الحرب على سوريا , وذلك في كل من أمريكا والكيان الصهيوني والمملكة العربية السعودية .
في المعطيات الصهيونية : ما لم يبح به كبار الساسة والعسكريين في الكيان الصهيوني , عن طبيعة الأهداف الحقيقية لتلك الغارة وخلفياتها , فلقد باح به كبار من محللي السياسة والبحث عندهم , عندما جاهروا " ..بأن جرح يبرود يجب أن يبقى نازفاً بالسيارات المفخخة باتجاه الضاحية الجنوبية .." وقد تزامن ذلك مع زيارة نتنياهو لجرحى الإرهابيين في المشافي الصهيونية , وإعلان بني غانتس , رئيس أركان الجيش الصهيوني , بأن هذا الأخير قد نشر قوات نوعية في جبهة الجولان المحتلة ..
في المعطيات الأمريكية : أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما في تصريح لصحيفة " ذي نيويوركر " الأمريكية – ولدى تقييمه لمحاربة أمريكا للإرهاب حول العالم - , بأن " رؤيتنا للإرهاب يجب أن تُحدد على أساس أنه ليس كل فعلٍ شنيع يحدث في مكان ما من العالم , ومدفوعٌ بعقيدة إسلامية متطرّفة , هو تهديد مباشر لنا , وأمرٌ يجب أن ننخرط فيه .." ! أعقب ذلك , ومنذ أيامٍ قليلة , إفراج وزارة العدل الأمريكية عن لائحتها الدورية للإرهاب , والتي تلحظ بعضٌ ممن تصنفهم أمريكا من أخطر الإرهابيين في العالم , وقد غاب عن هذه اللائحة وبشكل مستغرب زعيم تنظيم جبهة النصرة المدعو أبو محمد الجولاني , مع أن جبهته لا زالت ضمن المنظمات التي تعتبرها أمريكا بأنها إرهابية ...! وقد برز في تلك اللائحة إسم المدعو ياسين السوري , ومعلومات تفصيلية عنه , وعن أماكن تواجده , حيث ذكرت أنه موجود حالياً في إيران ..!
في المعطيات السعودية : منذ أيامٍ قلائل أعلنت المملكة العربية السعودية لائحتها للمنظمات الإرهابية .. والتي ضمت تنظيمات القاعدة وداعش والنصرة والإخوان المسلمين وحزب الله السعودي ... وقد كان لافتاً فيها إغفالها لتنظيم الجبهة الإسلامية في سوريا , على الرغم من أن معظم فصائلها , أعلنت ميولها " الجهادية , التكفيرية , الإخوانية .." والتي اعتبرت إرهابية في اللائحة ذاتها !
السؤال : كيف نقرأ هذه المعطيات في بحر محاربة الإرهاب الذي أُسري في سوريا والمنطقة ؟ وهل هي مرتبطة بالمأزق الإسترتيجي الذي تعيشه هذه الدول في كيفية الحفاظ على أمنها واستقرارها ( الكيان الصهيوني ) , وفي كيفية استنزاف أعداءها في زمن أفولها ( أمريكا ) , وفي كيفية الإحتفاظ بمقعدٍ وازنٍ لها في الخارطة الجيوبوليتيكية للمنطقة ( السعودية ) ؟
الكيان الصهيوني وهلع تصدّع الإستراتيجية الإنطوائية
بعد أن أجبرت المقاومة في صيف العام 2006 الكيان الصهيوني من التحوّل قسراً من الإستراتيجية الهادمة والهدّامة إلى الإستراتيجية الإنطوائية ضمن ما أسماه " إستقرار دول الطوق الأول " , وبعد أن كادت هذه الإستراتيجية تكتمل في ذراعها السورية , تفاجئ الكيان الصهيوني مؤخراً , بأن مشروعه في إقامة " الجدار الطيّب " عند المنطقة الفاصلة في الجولان المحرر , هو في طريقه إلى الوأد في مرحلته الجنينية , وذلك من خلال ما استشعره الكيان من تكتيكات مستحدثة للجيش السوري والقوى المساندة له ... حيث فرضت تلك التكيكات عليه رفع السقوف العالية في أكثر من جبهة , امتداداً من الجولان حتى القلمون وسلسلة جبال لبنان الشرقية , وذلك لتفادي تجرّع كأس الإستقرار الذي يمكن لمحور الممانعة أن يحققه في البيئات الحاضنة للمقاومة في المقلبين اللبناني والسوري .. وبالتالي تشكّل ثلاثية ذهبية جديدة في الجولان السوري , بعد أن ذاق مرارتها في الجنوب اللبناني ... ومن جهة ثانية ,فإن كسب معركة القلمون والسلسلة الشرقية , ستجعل من عملية كسر التوازن العسكري للمقاومة مع الجيش الصهيوني أكثر سلاسةً من أي وقت مضى , وخصوصاً أن معارك سوريا فرضت على أطراف محور الممانعة معادلة " ما نملكه فرادى , هو ملكٌ لنا جميعاً " , وبالتالي فإن ذلك سيضع الكيان الصهيوني بين نارين , إحداهما حارقة أكثر من الأخرى , فإما تقبّل هذا التحول الذي يُهدد وجوديته واستراتيجيته برمتها , وإما يلتف عائداً إلى طبعه الهدام , والذي لا يضمن نتائجه مطلقاً في هذه المرحلة من عمر الصراع مع المقاومة .
أمريكا وفوبيا الأفول المريع
تأسيساً على المعطيات الأمريكية أعلاها , والتي يُستشفُ منها أن أمريكا في زمن أفولها تعيش هاجس إطالة أمد الإستنزاف لمن كان لهم بعضٌ من اليد الطولى في تسريع أفولها .. وبالتالي فإن معارك القلمون والزارة والجولان , ناهيك عن ريف دمشق وتسريع المصالحات في أكثر من منطقة سورية , تجعل من أمريكا تعيش فوبيا حقيقية من بدء الخروج للجيش السوري ومعه حزب الله من قاع الإستنزاف .. من هنا فإن إغفال إسم المدعو الجولاني من تلك اللائحة الإرهابية , يهدف فيما يهدف إلى الإنعاش العسكري لجبهة النصرة من جهة , وإعطاء هامش دعم إضافي لمن أغفلتهم تلك اللائحة من ما يُسمى بالجبهة الإسلامية التي تتحالف علناً مع جبهة النصرة في أكثر من جبهة سورية ..هذا من جهة , ومن جهة ثانية فإن إنتهاج أوباما سياسة " النأي بالنفس " عن تقاتل " الإرهابيين " فيما بينهم , بعيداً عن الضرر بأمريكا ومصالحها , ستفشل , وبالتالي فإن ذاك الخروج الممانع من مستنقع الإستنزاف , سيُعقّد مجدداً استراتيجية أمريكا في تلزيمها للأمن الصهيوني , ضمن استراتيجيتها الإنكفائية , والتي تساعد فيها حلفائها في "الحفاظ على أمنهم من خلال ذواتهم " من جهة, وإنهاك " أعدائهم " وضربهم ببعض من جهة ثانية ... الأمر الذي سيضعها بين خيارين أحلاهما مرّ , فإما تعود مجدداً لتحمي حلفائها بشكل مباشر , وهذ ما لا تطيقه قدراتها المقيّدة في العالم اليوم .. وإما تترك هؤلاء لمصيرهم , مما قد يجعل من نتائج ذلك عواقب عليها أفدح بكثير فيما لو أعادت التدخل المباشر .
السعودية وهاجس فقدان الدور
إنطلاقاً من المعطيات السعودية , فإن المملكة , وضمن رؤيتها عن كثب لما يجري على الأرض السورية ومحيطها , من أفعال الجماعات الإرهابية الشنيعة , ومن فشل أعمها الأغلب من خطب ود مختلف الشرائح السورية بكل تلاوينها , وبالتالي انعزال هذه الجماعات , ونظراً لفشل هذه الأخيرة في تقديم نفسها حصان طروادة لما تُسمى بالجماعات المعتدلة ضمن " الثورة السورية " في تحقيق الهدف الأسمى في إسقاط النظام والدولة السورية , فضلاً عن كونها اقتربت من إعلان عجزها عن متابعة الإستنزاف لمحور الممانعة ..ولأجل كل ذلك وغيره , دخلت السعودية في قراءة واقعية للمعادلة السياسية الجديدة في المنطقة , وذلك حرصاً منها على ألاّ تجد نفسها خارجها لاحقاً ...من هذه الزاوية يمكننا أن نقرأ سرُّ الفضاضة في تلك القائمة السعودية للتنظيمات الإرهابية الخاصة بها ... والتي يمكن لها أن تتسع وتضيق بحسب تقاطع الأهداف وتحقيق المصالح .
خلاصة القول , فإن حزب الله وسوريا – الدولة , يخوضان اليوم كباشاً استراتيجياً مع الإرهاب , تحت أنظار مثلثٍ دوليٍ يعيش تيهاً استراتيجياً حقيقياً , يمكن لهذا الأخير أن يفقد توازنه في أية لحظةٍ , وفي أية بقعةٍ من العالم .