الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


http://assafir.com/Medias/Photos//2016/550x355/3a04626e-68ff-4b01-91f5-a9e77c7a2b07.JPG

 

(( شام برس ـ بيروت.. : 28/ 1 / 2016 )) : تخوض «جبهة النصرة» و«أحرار الشام» حرب مبادرات، ظاهرها الدعوة إلى الوحدة ومأسسة النشاط الجهادي، وباطنها رغبة كلّ طرف في أن تنفجر قنبلة الخلافات في حضن الآخر، كي يتفادى هو مصير التحوّل إلى أشلاء. وما الشروط التعجيزيّة التي يتبادلها الطرفان، إلَّا من قبيل تقاذف القنبلة قبل أن تنقضي الثواني الأخيرة قبل انفجارها.

وبالرغم من أنَّ مبادرة «مجلس شورى أهل العلم» لتوحيد الفصائل وتكوين مجالس شرعيّة وسياسيّة وعسكريّة مهمّتها إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرتها، طُرحت على النقاش قبل أشهر عديدة، إلَّا أنَّ إعلان «حركة أحرار الشام» الانسحاب من مؤتمر الرياض، ضخّ الحياة من جديد في هذه المبادرة التي كادت توأد في مهدها لعدم حماسة أحد لها. وقد تبنّى قاضي عام «جيش الفتح»، السعودي عبد الله المحيسني، هذه المبادرة (وهو من أعضاء مجلس شورى أهل العلم)، وسعى بها من جديد بين الفصائل.

وعلى وقع الهزائم التي لحقت بهذه الفصائل في كل من اللاذقية ودرعا وحلب، كانت الحاجة إلى الوحدة تزداد إلحاحاً، وهو ما حاولت اللجنة المكلّفة متابعة المبادرة ـ والمؤلفة من ثمانية أشخاص أنشطهم «أبو الحارث المصري» (من «جبهة النصرة)» ـ استثماره لإقناع الفصائل بالموافقة عليها وتطبيقها.

وفي سبيل ذلك، عُقدت، خلال الفترة الماضية، اجتماعات عديدة شارك فيها قادة الفصائل أنفسهم، أبرزهم أبو محمد الجولاني وأبو يحيى المصري، بالإضافة إلى عددٍ من كبار قادة الفصائل المؤثّرين عسكريّاً وماليّاً وسياسيّاً. وقد بنيت على هذه المبادرة، الكثير من الآمال من قبل أوساط «الجهاديين» الذين رأوا فيها القشّة التي ستنجيهم من مصير تجارب سابقة مثل أفغانستان والبوسنة والعراق.

ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان. إذ تسرّبت تفاصيل الاجتماعات ومضمون النقاشات الدائرة فيها، ونشرت تفاصيلها على مواقع التواصل الاجتماعي. وقد كان بطل هذه التسريبات حساب «مزمجر الشام» الذي بدا حريصاً على تحميل «جبهة النصرة» مسؤوليّة رفض مبادرة الوحدة.وبغضّ النظر عن صحة الرواية التي ذكرها «مزمجر الشام» من عدمها، فقد كان لافتاً أن يأتي التسريب من قبل أشهر حساب «تويتري» معروف بعلاقاته القويّة مع قادة «التيّار الإصلاحي» في «أحرار الشام».

فهو كان على علاقة قويّة مع بعض القادة الراحلين ممّن أطلقوا فكرة المراجعات ضمن الحركة، مثل «أبو يزن الشامي» و «أبو أيمن الحموي»، كما تربطه حالياً علاقات قوية مع قادة «الجناح السياسي» مثل محمد عبد الله الشامي (الذي أصبح «أمير» الحركة في حلب )، ومع حسام أبي بكر قائد «لواء جند السُنّة» الذي تشير التكهّنات إلى أنَّه هو من سرّب مضمون الاجتماعات إلى «مزمجر الشام» لنشرها في توقيت بالغ الحساسية. وحسام أبي بكر، معروف عنه موقفه الرافض لأيّ ارتباط مع تنظيم «القاعدة»، بل هو لا يألو جهداً في محاربة التيار «القاعدي» ضمن حركته نفسها.

ويبدو أنَّ قادة «التيار الاصلاحي» أصيبوا بخيبة أمل وهم يرون تقدّم المبادرة وقبول المجتمعين من قادة الفصائل لها، لأنَّ من شأن ذلك أن يمسّ بصورة الحركة كفصيل معتدل، وهو ما بذَل لأجله الجناح السياسي جهوداً كبيرة. كما كانت صدمتهم كبيرة عندما شاهدوا مكر الجولاني وهو يقدّم التنازلات في سبيل إنجاح المبادرة، ومن هذه التنازلات استبعاد نفسه من الترشح لمنصب «الأمير» وإلغاء اسم «جبهة النصرة» والالتزام بقرارات «مجلس الشورى الموحّد» المزمع إنشاؤه ليكون السلطة العليا في مناطق السيطرة.

بل أكثر من ذلك، عندما طالبه «أمير الحركة أبو يحيى المصري» بفكّ ارتباطه بتنظيم «القاعدة» كشرط للموافقة، سارع الجولاني إلى احتواء الشرط ووضعه ضمن مطالبة عامة تقضي بفكّ جميع الفصائل لارتباطاتها الخارجية. وفي جرعة مرونة زائدة، لم يدقّق الجولاني أثناء الاجتماعات كثيراً على المواقف السياسيّة لبعض الفصائل.

وقد كانت توقّعات المصري أن يؤدّي اشتراط فكّ الارتباط إلى إثارة غضب الجولاني والقيام بردّ فعلٍ يمكنه الاتّكاء عليه لفضّ الاجتماع وإفشاله، لأنّه يدرك أنَّ فك الارتباط، بالنسبة إلى «جبهة النصرة»، هو بمثابة انتحار، لأنَّ عدداً كبيراً من مقاتليها سينشقّ عنها. غير أنَّ مرونة الجولاني المقصودة، لأنّه يدرك أنَّ «أحرار الشام» تعيش تقريباً نفس مأزقه إن لم يكن أسوأ، صدمت المصري الذي يتزعّم «التيار الإصلاحي».

هنا طلبت «أحرار الشام» مهلة لمناقشة الموضوع ضمن مجلس الشورى الخاص بها، ويبدو أنَّ هناك ضمن «القادة الإصلاحيين في الحركة» من استشعر بوجود ضغوط من قبل بعض أعضاء المجلس على المصري للموافقة على المبادرة، فسارع إلى تفجيرها «تويترياً»، حيث كان التسريب عبر حساب «مزمجر الشام» بمثابة نعي للمبادرة.

وبعيداً عن سجالات الطرفين، فالواضح أنَّ «أحرار الشام» و «جبهة النصرة» تعيشان مأزقاً متشابهاً، فكل منهما يشعر بضرورة اتّخاذ إجراءات جديّة للحيلولة دون تقدّم الجيش السوري أكثر من ذلك، ولكنهما، في نفس الوقت، يدركان أنَّ أيّ خطوة خاطئة قد تكلفهما أثماناً غالية، ليس أقلّها إمكانيّة تعرّضهما لانشقاق كتلة ضخمة من المقاتلين ممّن سيرفضون الخطوة المحتملة لأسباب إيديولوجيّة. إلَّا أنَّ مأزق «أحرار الشام» يبدو مضاعفاً، لأنَّها، بالإضافة إلى الحسابات المتعلّقة ببنيتها الداخلية وتصارع التيارات فيها، لديها ارتباطات مع دول إقليميّة فاعلة، وهي لا تستطيع بأيّ حال من الأحوال القفز فوق تفاهماتها مع هذه الدول، إذ باتت محكومة بسقف مقررات مجلس الأمن، التي ينص أحدها على اعتبار «جبهة النصرة» تنظيماً إرهابياً.

كما أنَّها ليست واثقة أنَّ مجرّد فكّ الارتباط، سيعني إلغاء هذا التصنيف. لذلك، كانت الحركة، منذ البداية، متوجّسة من مبادرة الوحدة، وعملت على تفجير قنبلتها في أحضان الجولاني الذي سارع وأعاد القنبلة من حيث جاءت. فهل الانفجار الذي أحدثه التسريب في العالم الافتراضي، سيكون كافياً ليتلافى الطرفان الانفجار في العالم الحقيقي؟ أم سيغذيه أكثر؟