الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


(( بقـلم : وفاء حلمي : مرسلة من عمرو صابح )) : منذ أن حدثت مشكلة جريدة ( الدستور ) التي بدأت بسبب إقالة رئيس تحريرها إبراهيم عيسى يوم الاثنين 4 أكتوبر، جرت في النهر مياه كثيرة، وتكشفت حقائق كثيرة، لكن للأسف معظم من تناول الموضوع بعد عن الموضوعية..
الكثيرون تعاملوا مع جانب واحد فقط من الأزمة، وأغفل كافة الجوانب الأخرى.. وتعاملوا مع إبراهيم عيسى على إنه بطل قومي، لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، وأن شراء جريدة ( الدستور )، كان هدفه الأول والأخير قصف قلم إبراهيم عيسى الحر، الذي تمت إقالته بسبب إصراره على نشر مقاله عادي جدا للدكتور محمد البرادعي عن حرب أكتوبر، بزعم أن البطل القومي إبراهيم عيسى أبى إلا أن ينشره، مضحيا براتب خرافي هو أعلى راتب لصحفي في تاريخ الصحافة المصرية وهو75 ألف جنيها شهريا!!
هؤلاء صوروا إبراهيم عيسى شهيدا، وآخرون صوروه انتحاري قذف بنفسه تحت القطار، والقطار هنا هو ملاك ( الدستور ) الحاليين، الذين تم تصويرهم على إنهم جناة خونة متواطئين مع النظام، دفعوا 16 مليون جنيه من أموالهم ثمنا للجريدة، فقط من أجل منع إبراهيم عيسى من الكتابة!!
طبعا هذا كلام عاطفي بعيدا كل البعد عن الموضوعية والمنطق.. لأن في مصر العديد والعديد من الصحف الحزبية والمستقلة مفتوحة لإبراهيم عيسى.. ثم إن لم تكن في مصر صحف فهناك صحف عربية.. وإن لم تكن هناك صحف مصرية أو عربية، فهناك الفضائيات.. وإن لم يكن كل ذلك متاحا فهناك شبكة الإنترنت التي جعلت كل شيء مكشوف تحت سماء الحقيقة..
أحد هذه الحقائق إن إبراهيم عيسى كان ( عراب ) صفقة بيع ( الدستور )، بل كان هو الساعي لهذه الصفقة.. وكان المفاوض الأول فيها، كما ذكر مالكها أحمد عصام، ومن الحقائق أيضا أن إبراهيم عيسى تحايل على القانون، وأخفى إنه كان يملك 10% من أسهم الجريدة باسم شقيقه، حتى يمكن ترخيص الجريدة في مصر، حيث يشترط القانون تعدد الملاك.. ومن الحقائق أن إبراهيم عيسى الذي كان يتقاضى راتبا شهريا قيمته 25 ألف جنية شهريا، من عصام فهمي مالكها السابق، بينما كانت رواتب الصحفيين لديه متدنية.. وها هو سامى جعفر أحد صحفي ( الدستور ) يكتب لجريدة ( المصري اليوم ) كاشفا عن حقائق يتجاهلها الكثيرون، حيث كتب موجها كلامه لزملائه في الدستور قائلا:
"أسألهم كم كانت رواتبهم فى عهد المالك السابق، وأسألهم أيضا عن الإضراب عن العمل، الذى نظموه فى مواجهة إبراهيم عيسى، احتجاجا على تدنى رواتبهم، وكيف وقف عيسى إلى جانب المالك، ليصبح هو وبطانته مَن يستفيد من خيرها، أما نحن المحررين، فلم يكن أعلى راتب يتقاضاه أى منا يتجاوز الـ600 جنيه، عندما صدرت ( الدستور ) كجريدة يومية.. وقتها كنت أتقاضى راتبا شهريا لا يتعدى 200 جنيه.. وباءت محاولتى لرفع الراتب بالفشل.. وتحول عيسى من رئيس تحرير كنت أتمنى العمل بجانبه، إلى نموذج أكرهه فى رؤساء التحرير المصريين.. نموذج معجب بذاته إلى حد كريه، لا يقبل اختلافاً معه فى الرأى، ولا يتورع عن التنكيل بصحفى فى مقتبل العمر، ثم فوجئت فى أحد الأيام بأن عيسى أصدر قراراً تعسفيا بفصلى مع مجموعة من زملائى، ولم يكن القرار لرئيس مجلس ا?دارة، فقد فوضه بالتصرف فى ميزانية الجريدة، طالما كان عيسى قادراً على السيطرة على الصحفيين بأقل تكلفة"
هكذا يكشف سامى جعفر حقائق يعرفها الكثيرون لكنهم يتجاهلونها عن عمد.. الكثيرون يعرفون كيف باع إبراهيم عيسى الصحفيين، لصاحب الجريدة السابق عصام فهمي في مقابل راتب خرافى.. ولوجه الله والحقيقة أسرد هذه الواقعة التي كنت طرفا فيها..
في عام 2005 عند إعادة إصدار جريدة ( الدستور )، بعد توقف عدة سنوات، قام صاحبها عصام فهمي بزيارة الكاتب الكبير الراحل محمود عوض، في منزله عارضا عليه، توالي مسئولية رئاسة تحرير ( الدستور ) التي ستصدر كصحيفة مستقلة من مصر، بعد أن كانت تصدر من قبرص.. ولأني كنت، أحد تلامذة العظيم محمود عوض، حدثني عن العرض، وطلب أن يعرف رأي.. وكان رأي أنه عرض جيد، خاصة أن أستاذي كان ممنوعا من الكتابة في الجريدة التي أفني فيها عمره ( أخبار اليوم )، كما كانت لمحمود عوض اشتراطات في الجريدة التي يكتب فيها في مصر، خاصة بعد فشل تجربة جريدة ( الأحرار ) التي رأس تحرير عدة أشهر عام 1988، والتي رفع أرقام توزيعها من الأرض للسماء.. ثم وبسبب صراعات حزبية توقفت الجريدة..
وقتها سألت أستاذي محمود عوض عن رده على عصام فهمي فأخبرني إنه اشترط، شرطا واحد فقط ليس من بينها راتبه، وهو ضمان رواتب عادلة وثابتة للصحفيين، على ألا يقل راتب المحرر عن ألف جنية، ورئيس القسم عن خمسة، قابلة للزيادة، واشترط أن يضع فهمي مبلغا محددا في البنك تحت حساب رواتب الصحفيين، تكفي لعدة أشهر.. وقال لي محمود عوض أن عصام فهمي حاول أن يثنيه عن هذا الشرط، في مقابل الراتب الذي يرضيه، لكن عوض أبى، مصرا أن رواتب الصحفيين قبل راتبه، فما كان من عصام فهمي إلا أن طلب من محمود عوض مهلة للتفكير..
وقتها كانت هناك خلافات بين إبراهيم عيسى وعصام فهمي، وكثرت النميمة وتسع الخلاف.. لكن فجأة وبعد أيام من زيارة عصام فهمي لمحمود عوض، إذا باعتذار منشور من إبراهيم عيسى لعصام فهمي في أحد الصحف أظنها ( الأهرام ) إن لم تخوني الذاكرة، ثم بعد أيام سمعنا عن احتفالية في نقابة الصحفيين بمناسبة إعادة إصدار ( الدستور ) برئاسة تحرير إبراهيم عيسى، دون أن يكلف عصام فهمي نفسه عناء إبلاغ محمود عوض برفض طلبه، واندهش عوض وقتها من التصرف.. وطلب مني الذاهب إلى نقابة الصحفيين وحضور الاحتفالية، وسؤال عصام فهمي عن سبب عدم إتمام اتفاقه مع محمود عوض، بالطبع دون أن يعرف فهمي أن عوض هو من طلب مني ذلك..
ولأن طلب أستاذي أمر واجب النفاذ ذهبت للنقابة، وبعد انتهاء الاحتفالية سألت عصام فهمي، عن سبب عدم إتمام اتفاقه مع عوض، في البداية تهرب الرجل من الإجابة، لكني استطعت استفزازه، فأجاب أن عوض اشترط شروطا تعجزيه، فيما يخص رواتب المحررين.. وطبعا كان مفهوما ضمنا أن إبراهيم عيسى لم يشترط مثل هذا الشرط، مكتفيا براتبه الذي عرفنا منذ أيام إنه كان 25 ألف!! هذا هو إبراهيم عيسى البطل الشعبي صاحب برنامج ( حمرا ) التافه المليء بالإسقاطات المنحطة، الذي ساعد عصام فهمي على إذلال الصحفيين، والتحايل على القانون..

على طريقة تعامل جمهور كرة القدم مع مباراة مصر الجزائر، التي تحولت من مباراة كرة مع فريق دولة عربية إلى أزمة سياسية.. على نفس الطريقة تعامل العديد من المثقفين، ومنهم رموز كبيرة مع أزمة جريدة ( الدستور ).. تعاملوا معها على إنها أزمة سياسية.. صنعها رجال أعمال لخدمة النظام السياسي والحزب الحاكم.. ولأن هذا تصور ممكن جدا تصديقه.. خاصة بعد الحالة المتردية التي وصلت لها مصر، حيث تفككت وتشظت الدولة إلى مؤسسات لا علاقة لها بكيان الدولة.. ربما كان ذلك هو سبب تحول أزمة ( الدستور ) إلى أزمة سياسية، رغم أنه على مدار الأيام الماضية تكشفت الكثير من الحقائق التي تضرب ذلك التصور في مقتل..
فالأزمة كما ظهرت بوضوح هي أزمة خلاف مادي وأزمة من يسطر على (الدستور).. ومع ذلك تحول إبراهيم عيسى من رئيس تحرير أختلف مع أصحاب الجريدة بسبب راتبه الخرافي إلى بطل قومي.. وما يؤكد أن إبراهيم عيسى لا يعنيه سوى راتبه هو إنه كان وبينه وبين مالك الجريدة السابق عصام فهمي اتفاقا يضمن له التحكم في ( الدستور ) وفي صحفيها.. ويضمن أيضا لعصام السيطرة على عيسى.. أي أن كل منهما وضع إصبعه تحت ضرس الآخر..
إبراهيم ضمن أن تكون الكلمة الأولى في الجريدة له، هو الذي يحدد رواتب الصحفيين ويفصل من لا يعجبه.. لكن للأسف نجد من ظلمهم هم أول من ثاروا وهبوا من أجل نصرة إبراهيم عيسى الذي كان يتقاضى 25 ألف جنيه بينما كان معظمهم لم يكن يزيد راتبه عن 300 جنيه..
لا أحد ينكر أن عيسى صحفي بارع، وهو أول من طبق التركيبة التي ابتدعها أستاذه عادل حمودة في روز اليوسف أثناء تولي رئاسة تحريرها.. تركيبة كسر التابوهات، (السياسة، والدين والجنس)، لكن لأن إبراهيم عيسى صحفي ( شاطر ) أضاف لتلك التركيبة بعض المطيبات، لاجتذاب العامة، كأن تدخل العامية في لغة الكتابة، ولا مانع من الحديث عن الجن والعفاريت، والتركيز على حوادث الاغتصاب.. وتحويل السياسة من معارضة إلى سخرية من رؤوس النظام، وبالطبع المعارضة التي تمارسها كل صحف المعارضة تختلف كثيرا عن السخرية أو ( المسخرة ) التي احترفتها ( الدستور )، وهي مسألة ليست صعبة.. فهي يمكن أن يمارسها أي بائع جوال دون أن يتعرض للمسائلة..
أقصد من هذا أن ( الدستور ) لم تكن تأرق النظام كما يصورها الزعيم إبراهيم عيسى، الذي لم يكن يعنيه ماذا تقدم (الدستور) بقدر ما يعنيه كم تكسب، لهذا ومع الوقت انفض عنها جمهورها الذي وجد في الفضائيات ما يسليه، مثلما وجد فضائيات تتجاوزون كل التابوهات.. وهنا عندما وجد عيسى الدستور مركب توشك على الغرق سعى لبيعها..
ولأن إبراهيم عيسى أحترف التركيبة التي تجذب الجمهور، كان يقدم ثلاث برامج لكل منها قناع يرتديه.. مرة قناع سياسة وأخرى دين وثالثة ( هلس ) أو ابتذال ومن يود أن يعرف ماذا كان يقدم الزعيم إبراهيم عيسى فليدخل على موقع ( youtube ) ويرى حلقة شعبان عبد الرحيم في برنامج ( حمرا ) المبتذل الذي كان يقدمه على قناة ( موجة كوميدي )..
الغريب أن هذا البرنامج كان من أكثر البرامج جلبا للإعلانات خلال شهر رمضان، وحقق أرباحا وصلت 15 مليون جنيه، وطبعا للمقدم نسبة وبالتالي يكون من مصلحته زيادة جرعة الابتذال.. إذا كان هذا الحال مع الزعيم المناضل إبراهيم عيسى، لماذا يعترض البعض عندما يوقف برنامجه على (otv) لأنه لم حقق أرباحا من الإعلانات، ويصبح التفسير الوحيد الذي يراه مناصروا إبراهيم عيسى هو أنه كان يناضل في فضائية ( نجيب ساويرس ) لهذا أوقف برنامجه!!
كلام غريب ومضحك.. فمن قال إن فضائيات ( ساويرس ) مكان للنضال.. لكنه على كل حال تفسير يليق ببهاء نضال الزعيم إبراهيم عيسى، صاحب برنامج ( حمرا )!!
إبراهيم عيسى الآن وقبل الآن وبعد الآن غير ممنوع من الكتابة، فلقد عرضت عليه رئاسة تحرير جريدة ( الكرامة )، لكنه رفض لأن ( الكرامة ) لن توفر له الراتب الخرافي الذي كان 25 ألف، ثم ارتفع إلى 75 ألف.. للأسف الكثيرون يصدقون أنفسهم، أو لنقل يصدقون إبراهيم عيسى، ويحلو لهم تصوير أزمة ( الدستور ) على إنها أزمة سياسية، وآخرون يتعاملون مع القضية بأن كل من هم ضد الحكومة والنظام السياسي فهو في جبهته، حتى وإن كان مثل إبراهيم عيسى أو إخواني ضد الدولة المدنية وضد المواطنة وحقوق المرأة، وتلك كارثة يرتكبها رموز نفخر بهم.. هؤلاء أخطر على حركة التقدم من فاسدي النظام.. هؤلاء يعيقون حركة التغير، لأن الناس لن تصدقهم ولن تمضي خلفهم..
ألتف الكثيرون حول إبراهيم عيسى الرابح الأوحد في الأزمة، فلقد تم تدشينه مناضلا، وأصبحت قيمته 75 ألف جنيه بعد أن أعلن راتبه الخرافي على الملأ، وخرج بعد كل ذلك بطلا، لم ولن يفكر أحد في محاسبته على إنه هو أول من سعى لبيع الدستور، ولا على بيع الصحفيين برواتب هزيلة.. في مقابل راتبه الخرافي، ولم يحاسب إبراهيم عيسى على التهرب من الضرائب، ولا على تقديم برنامج مبتذل أسمه ( حمرا ).. أما صحفيو ( الدستور ) المعتصمون في النقابة من أجل عودة الزعيم إبراهيم عيسى فقد خسروا في الماضي عندما تقاضوا ملاليم، يخسرون الآن وهم باقون دون عمل، ومهددون فوق ذلك بالفصل من الجريدة، والسيد البدوي خسر أكثر كثرا من الملايين التي وضعها في ( الدستور ) ثم سحبها.. فلقد أخطأ خطأ فادحا عندما راهن بتجربة حزب الوفد الذي أعاد إحياءه على فرس كسيح اسمه ( الدستور )، وبدلا ما كانت الناس تصفق له، هم الآن يرجمونه بأقذع الاتهامات.. رغم أن من أراد استخدام المنطق سيصل إلى الحقيقة، وهي أن لو السيد البدوي أراد إلقاء ملايينه في الأرض من أجل هدم ( الدستور )، كان يستطع أن يفعل ذلك باسم أي شخص آخر، ويهديه لرؤوس النظام، دون أن يلوث اسمه، بافتراض جدلا أن ( الدستور ) كانت من القوة بحيث تهدد استقرار النظام..
كذلك رضا إدوارد خسر معنويا بسبب كل ما قيل عنه، خسر ماديا لأن ( الدستور ) بهذا الشكل تكون قد انتهت، إلا إذا خرجت بشكل مبهر.. إضافة لذلك فإن رضا إدوارد في موقف صعب ولابد من البحث عن سبيل للخروج منه، لأن القانون يحظر عليه، وحتى أقربائه من الدرجة الثانية تملك أكثر من 10 % من أسهم الجريدة، في الوقت الذي أعلن إدوارد أكثر من مرة امتلاك أسهم الجريدة بالكامل بعد شراء حصة السيد البدوي، وهو أمر يخالف القانون كلية.
وفي النهاية فإن أزمة صحيفة ( الدستور ) كشفت عورات القوانين التي تحكم الساحة الصحفية في مصر، وأهمها قانون ( تنظيم الصحافة ) ( 96 لسنة1996)، والذي يمنع الصحفيين، من إصدار صحف أو امتلاك أسهم في الوقت الذي يسمح فيه لأي صاحب مهنة أخرى، بإصدار صحيفة أو امتلاك أسهم بها فيما يعرف باسم (الشركات المساهمة) حتى لو كان لا يحمل مؤهلاً علمياً.. كذلك لابد أن تكون نقابة الصحفيين خصما محايدا، ولابد من محاسبة كل أطراف الأزمة، والتحقيق في الاتهامات المتبادلة بين عيسى وإدوارد فيما يخص التهرب من الضرائب.. نقلا عن جريدة العربي :
 ( عددي ـ 17 / 10 / 2010, 24 / 10 / 2010 ).