الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


http://assafir.com/Medias/Photos//2016/550x355/7ffca8bd-d680-4b99-9657-adb134274793.jpg

(( جريدة السفير ـ نينار الخطيب : 22 / 3 / 2015 )) : «نحن لاجئون هنا، هذا ما علينا فهمه»، يقول مناف، وهو لاجئ سوري يقيم في ألمانيا وينتظر الحصول على الإقامة بعد عناء سفر طويل. لا يخفي مناف إحباطه من الوضع الذي يجد نفسه فيه في الوقت الحالي: «نحن هنا مجرّد أرقام لا أكثر، صحيح أنهم يعاملوننا بطريقة إنسانية، إلا أن هذه الطريقة تشعرنا أننا صنف من الحيوانات القابلة للانقراض وتقوم جمعية مختصة برعايتها».

حال مناف ليس منفرداً. كثيرة هي حكايات السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا بحثاً عن الأمان، وتحقيق الأحلام على الضفة الأخرى من المتوسط، بعضهم استطاع أن يحقق حلمه، وبعضهم أصلاً ذهب دون حلم، وآخرون مازالوا ينتظرون على أبواب المحاكم والجهات المعنيّة للحصول على الإقامة، سعياً للملمة أسرهم المتشظية.

لاجئة سورية في هولندا تروي خلال حديثها إلى «السفير» تفاصيل حياة يعيشها لاجئون ضمن سجن تم تحويله إلى مسكن للاجئين في مدينة هارلم الهولندية: «كان سجناً حتى شهر أيار من العام الماضي 2015، حيث أخرجوا منه السجناء وحولوه إلى مقر للاجئين، هو عبارة عن قبة كبيرة ويضم حوالي 400 غرفة سكنية ( زنزانة )».

تتابع «هو سجن بمواصفات السجون النظامية من عزل للصوت والحرارة، لا تتجاوز مساحة الزنزانة فيه الأربعة الأمتار، يضم في كل زنزانة مرحاضاً خاصاً».
وتضيف «يوزعون وجبتين من الطعام يومياً، إحداهما مكونة من خبز محمص وجبنة وشاي غالباً، والأخرى ساخنة كالرز المسلوق دون ملح أو زيت ما يجعل الطعام شبيهاً بطعام المساجين إلى حد كبير».

في ألمانيا المجاورة، يبدو وضع أسعد أفضل : «كنت أعد نفسي للنوم في خيمة لمدة ستة أشهر أو أكثر قبل حصولي على الإقامة، وفي أفضل الأحوال العيش في كامب ( مخيم )، لكني فوجئت باستقبال ومعاملة جيدة جداً، حيث تم نقلي مباشرة للعيش في هايم ( بناء كان سابقاً مستشفى أو فندقا وتم تحويله إلى مركز خاص باللاجئين، لذلك يكون وضعه أفضل من المخيم )».

ويضيف: «عانيت فقط من مشكلة اللغة مثل معظم اللاجئين في ألمانيا، على خلاف بقية الدول الأوروبية التي استقبلت اللاجئين، كما حصلت في الوقت الحالي على الإقامة وأقوم بمراسلة شركات بمساعدة أصدقائي الألمان بحثاً عن عمل».

رحلة البحث عن إقامة في هولندا أو ألمانيا أو السويد ( أكثر الدول استقبالاً للاجئين السوريين في أوروبا ) تبدأ منذ لحظة الوصول إلى البلد، حيث يتمّ فرز اللاجئين ووضعهم في ملاجئ أو خيم بانتظار تقديم الأوراق إلى المحكمة، في هذه الفترة يعيش اللاجئون حياة تنقل بسبب عددهم الكبير «بعد الحصول على الإقامة تتغير الأحوال إلى حد ما»، يقول أحمد حلبي، وهو لاجئ في هولندا لـ «السفير».

ويضيف «بعد الإقامة تبدأ رحلة التسجيل في سجلات الحكومة وانتظار موعد لم الشمل وبداية دخول المدرسة لتعلم اللغة والبحث عن عمل لمن يشعر أنه لا يقبل الإعانة وهو قادر على العمل بحكم أن الحكومة الهولندية تسمح للاجئ بالعمل شرط أن تقطع عنه راتب الإعانة، إضافة إلى انتظار تأمين سكن مستقل من قبل الحكومة، كون أغلب بيوت الإيجار تابعة لها».

أول اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا كانوا الأوفر حظاً، خصوصاً بعدما أصبحت رحلات اللجوء مكشوفة لشريحة واسعة من السوريين سواء الموجودين في الداخل أو الموزعين على دول الجوار، بالإضافة إلى نمو شبكات التهريب وإهمال تركيا لحدودها، ما رفع أعداد اللاجئين بشكل كبير وغيّر مقاييس الحياة في أوروبا.

«الإحباط هو سمة عامة بين معظم اللاجئين»، تقول أماني اللاجئة السورية في هولندا. وتشرح «هذا العدد الكبير من اللاجئين تسبب بمضاعفة الوقت المطلوب للحصول على الإقامة». بدوره يرى أحمد حلبي أن اختلاف شكل الحياة هو «التحدي الأصعب بالنسبة للاجئ». ويوضح «أن تعيش في بلد بقوانين مختلفة ولغة مختلفة ومفاهيم مختلفة هو أمر صعب ويحتاج إلى فترة للتأقلم».

الحريات العامة وفهمها والخلط بينها وبين الانفلات أيضاً من الصعوبات التي يعاني منها اللاجئون.
بعد الوصول إلى أوروبا كشف عدد كبير من اللاجئين السوريين عن هويتهم وميولهم الجنسية، فظهرت إلى العلن حالات كثيرة من المثلية الجنسية، وفق حلبي.
حلم العودة إلى سوريا، برغم حالة الإحباط، لا يراود كثيراً من اللاجئين الذين وجدوا في أوروبا مكاناً آمناً، وبدأوا يبنون مستقبلهم على أساس البقاء في الدول التي استقبلتهم، خصوصاً أن السكن مؤمن، وتكاليف الحياة المبدئية مؤمنة أيضاً، وهو ما دفع بقسم كبير منهم إلى الاستكانة، في حين بدأ آخرون يشقون طريقهم للحياة بالطريقة التي يحبونها.

يقول سامي اللاجئ في ألمانيا «بعد الحصول على الإقامة سأقوم بلم شمل عائلتي وأحضر زوجتي من سوريا، سأعمل في المجال الذي أحبه كذلك هي، هذا الاحباط والتعب الذي أعانيه الآن ما هو إلا ضريبة لتأمين حياة أفضل لأسرتي، وأبنائي أيضاً، لتحقيق الحلم». بعض اللاجئين الذين كانوا يعيشون في مخيمات في تركيا، أو مناطق ساخنة في سوريا، وجدوا في بلدان أوروبا جنة، وحلماً تحقق، في حين تختلف وجهة النظر بالنسبة لمن خرج من مناطق آمنة في سوريا تاركاً عائلته وراءه تنتظر أن يحصل على الإقامة ليقوم باستدعائهم، إلا أن الكل اتفق على أن مجرد التفكير بالعودة إلى سوريا لا يراود أحدا رغم الحنين إلى الوطن.

يلخص حلبي هذه النقطة بقوله «العودة الى سوريا مرهونة بأمور كثيرة، منها مثلاً إن أجبرنا على العودة، وأن يعود الأمان إلى سوريا بشكل أساسي»، في حين تبقى المعضلة الرئيسية في شرط العودة «أن يصبح للإنسان قيمة وفق المبادئ التي خبرناها هنا في أوروبا وتعودنا عليها»، بالنظر إلى حجم الشرخ بين الأوضاع في أوروبا وما وصلت إليه سوريا اليوم، أو تلك العادات والأفكار التي جذرتها الحرب، أو حتى شكل الحياة قبل اندلاعها، الأمر الذي ربما يدفع الكثير من اللاجئين إلى عدم التفكير بالعودة بشكل نهائي، والبحث عن مستقبل على الضفة الأخرى من البحر الدافئ، رغم الحنين إلى الوطن في بعض الأحيان.