الوطن يابني رقم واحد ... وبعد مية يجي العالم ... الوطن ناموس للي يخجل


 

(( الجمل عن السفير ـ وسيم إبراهيم )) : حينما يصير الاتفاق بحاجة لمعجزة سياسية، يصبح الحل على طريقة الأساطير: تقديم الأضاحي الكبيرة. القمة الطارئة لزعماء اليورو أوصلت إلى تلك الخلاصة، بما تمثله من بيان الوضع الراهن لأزمة اليونان المستعصية. الصدام لم يعد بحاجة لأقنعة. القضية ليست بين اليونان وألمانيا، بل بين معسكرين أوروبيين لكل منهما حساباته البعيدة، الأبعد بالتأكيد من خروج أثينا أو بقائها في تكتل اليورو.يونانيون يحصلون على طعام مجاني في اثينا امس ( ا ف ب ) .
اجتماعات الطوارئ تواصلت في بروكسل من دون أن تحقق انفراجاً أكيداً. وزراء مالية منطقة اليورو التقوا على مدار يومين، وانتهوا بعدم الاتفاق على مخرج يمكن لجميع الأطراف التوقيع عليه. كان المطلوب أن يقدموا خريطة طريق، تتبناها قمة زعماء دول منطقة اليورو أمس. لذلك اكتفى الوزراء بتقديم ما يشبه «قائمة الطعام» لرؤساء دولهم وحكوماتهم. القائمة تتضمن أصنافاً كثيرة، لكن تحت عنوانين لا يمكن الجميع بينهما: وجبات خروج اليونان، ووجبات بقائها في اليورو. التكلفة عالية في الحالتين، لهذا لم يتم بعد اتخاذ القرار النهائي لما سوف تعيش عليه عائلة اليورو خلال السنوات المقبلة.

تفاوت التقديرات، حد التضارب، كان حاضراً في حديث زعماء التكتل. المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نعت فقدان «العملة الأكثر أهمية: الثقة والمصداقية». وأكدت أنها لن تقبل «اتفاقا بأي ثمن». الثمن الذي تطلبه مرتفع جداً، ويضع في المجهول مستقبل غريمها الزعيم اليوناني ألكسيس تسيبراس. لهذا اعترفت بأنه رغم كل الضغوط الواقعة عليهم «لست متأكدة من أننا سوف ننجح» في إنجاز الصفقة.

وراء تصلب ألمانيا تقف أيضا مجموعة دول في شمال وشرق أوروبا. المعسكر المقابل باتت فرنسا تقوده علناً. رئيسها فرانسوا هولاند قال إن ما يتقرر الآن هو وجهة أوروبا، وليس فقط مصير اليونان. المنافسة هنا على أشدها، بين برلين التي تريد جعل اليورو محكوماً بقواعد صارمة، وباريس التي لا يناسبها ذلك لأن أوضاعها الاقتصادية لا تتحمل تلك القواعد. رافضا بشدة أحد الخيارات التي يطرحها فريق ميركل، قال هولاند إنه «إذا غادرت اليونان اليورو فإن أوروبا ستعود إلى الخلف، وفرنسا لا تريد ذلك». هكذا صارت حسابات تسيبراس مبنية على هذا الصدام، وأنه لم يعد معزولا أبداً. هكذا أكد أنه «مستعد للتسوية»، معتبراً أن ذلك مرهون بإرادة «كل الأطراف»، لأن ذلك يتعلق بإظهار «أوروبا المتحدة لا المنقسمة».

إحدى المشكلات الأساسية الآن هي وجود فريق صقور في فريق ميركل، يدفع الأمور إلى سيناريو خروج اليونان. مهندس هذا السيناريو هو وزير المالية الألماني فولفغانغ شوبل. مسؤول يوناني رفيع المستوى، من المقربين جداً لتسيبراس، أكد أن وجود شوبل يشكل «معضلة». وقال معلقا على احتمالات التسوية «إما شوبل أو التسوية، الأمران لا يجتمعان». شرح أن حكومة أثينا قدمت تضحيات، ولذلك فإن ميركل «عليها تقديم تضحيات أيضا» لإنجاز التسوية. تأكيداً لهذا المنحى، قال مسؤول أوروبي للصحافيين في بروكسل، إنه «حتى لو قطعت» حكومة اليونان يدها فإن «شوبل سيقول إن هذا ليس كافيا». ويحدث كل هذا فيما مصارف اليونان المغلقة توشك على الانهيار، وهي بأمسّ الحاجة لزيادة السيولة الطارئة من البنك المركزي الاوروبي.

حصيلة القمة جاءت متوقعة: لم تنجح مناورة تسيبراس السياسية. تعهد بتطبيق تقشف يتجاوز ما طلبه الدائنون سابقاً، وما رفضه اليونانيون بصرامة في الاستفتاء. لكنه أراد أن يدفع الثمن نفسه تقريبا لقاء صفقة مختلفة تبلغ أضعافاً. التقشف الأولي كان لقاء قرض بقيمة 7.2 مليارات يورو، أما الصفقة الآن فتدور حول خطة إنقاذ كاملة، قدّرها الدائنون بأكثر من 80 مليار يورو.

تردد أن وزير المالية الألماني قال تعليقاً على العرض اليوناني «هل تظنون أني أحمق». أظهرت برلين، بما لا يدع مجالاً للشك، أنها ستجعل الزعيم اليوناني يدفع من دمه السياسي لإنجاز صفقة كهذه، هذا إذا كان في الإمكان تحقيقها. يمكن وصف الخيارات المعروضة بأنها واحد من اثنين: إمام سجن اليونان شبه المؤبد في قفص التقشف، بكل ما يعني ذلك من آلام اقتصادية مضاعفة، أو ببساطة الخروج من اليورو.

المطلوب ألمانياً أضعاف ما قدمه تسيبراس، حينما عرض حزمة تقشف تصل إلى 13 مليار يورو. حزمة الشروط يجب تطبيقها مباشرة. وفق الورقة التي قدمها وزراء مالية اليورو لزعماء تكتل العملة الموحدة، يجب أن يبدأ برلمان أثينا فوراً بتبني قوانين تشقف واسع، تطال مجمل قطاعات الاقتصاد. إذا رفض اليونانيون ذلك، فسيكون أمامهم خيار وحيد: الخروج من اليورو. وفق الورقة التي درسها الزعماء، يمكن تمييز مقترح معروف أن برلين قدمته: إذا لم يتم الوصول لاتفاق مع اليونان، يجب أن تُجرى معها مفاوضات «سريعة» لتوفير «خروج مؤقت» من اليورو «مع إمكانية» تخفيف ديونها. شبّه البعض ذلك بأنه «طلاق مؤقت»، ذاك الذي يعرف الجميع أن ما سيقود إليه هو الخروج النهائي.

المأزق الجماعي الذي توصل إليه هذه الخيارات كان واضحاً في بعض التعليقات. رغم التحذيرات النارية العديدة، من سيناريو إخراج اليونان تحت مظلتها، لم يمتلك وزير مالية لوكسمبورغ بيير غرافينا الجرأة على استبعاده. وقال، إن «كل الخيارات تبقى على الطاولة». أما ما الذي يمكن أن يمنع هذا الاحتمال، فالقضية تبدو انتحاراً سياسياً لتسيبراس. التقشف الواسع، بما يطال المعاشات والتقاعد وقوانين سوق العمل، ليس كل شيء. الحديث يدور عن قبول اليونان بيع (خصخصة) قسم معتبر من الأملاك العامة، ووضع الأموال في صناديق كنوع من الضمانة المباشرة لأن «الثقة انهارت» وفق برلين. لتقليل «الإهانة» التي تمثلها خطوة كهذه، تم اقتراح أن توضع هذه الصناديق المالية تحت إشراف حكومة أثينا.

مقابل هذه الشروط، لا تحصل أثينا سوى على وعود بإمكانية تخفيف ديونها الهائلة. الشطب من الديون كان المكسب الأهم الذي برر به تسيبراس قبوله التقشف الصارم. ما تعرضه برلين الآن، هو التعهد لاحقا بـ «النظر» في تخفيف الديون، لكن بعد تطبيق التقشف وإجراء تقييم لمدى نجاعة هذا التطبيق.
إذا كان التقييم إيجابياً، بعد أشهر، يمكن تخفيف الديون عبر تمديد آجال سداد القروض، مع استبعاد قاطع لأي شطب مباشر. هذا التعهّد هو عملة لا تساوي شيئاً في الضائقة السياسية لتسيبراس نظرا لمجزرة التشقف المطلوبة.
طبعاً، هناك حساسية سياسية شديدة لهذه القضية لدى ألمانيا، لكونها تتحمل المساهمة الأكبر في ديون اليونان. حصلت أثينا على خطتي إنقاذ، حجمهما نحو 240 مليار يورو. مقابل هذه الأموال، ومعظمها أموال عامة لحكومات اليورو، تم فرض إجراءات تقشف واسع، طالت جميع القطاعات الاقتصادية. الحجّة المستمرة هي ضرورة «إصلاح» الاقتصاد كي ينتج أفضل وليضمن سداد الديون. لكن «الإصلاحات» لم تحقق أهدافها، بل ضاعفت الآلام الاقتصادية على اليونانيين. تركيب صفقة بهذه الصيغة، شبه المستحيلة من الناحية السياسية على ميركل وتسيبراس، جعل أقرب وصف لها: إنها محاولة لجعل اليونان تطلب بنفسها الخروج من اليورو، أو بمعنى آخر إطلاق مقنّع لعملية هذا «الخروج» كي يكون «تحت السيطرة».

بعض الساسة البارزين يقولون إن هناك فرصة وحيدة متبقية، لا يمكن الآن الحكم بفشلها. هذا الموقف يتبناه رئيس البرلمان الأوروبي مارتن شولتز. قال، بعد خروجه من لقاء مع زعماء اليورو، إنه «غير موافق» على الحكم بأن عملية إخراج اليونان انطلقت. مبرراً موقفه هذا، أكد أن «ما هو ممكن الآن عقد تسوية بين ألمانيا وفرنسا، ومن ثم هناك دول أخرى (معارضة أيضا) يجب أن تتبنى ذلك»، قبل أن يضيف «انطباعي بعد حديثي مع القادة أن هناك إرادة للوصول إلى نتيجة».

على المقلب اليوناني هناك حركات تنبئ بعدم إمكانية إنجاز صفقة كهذه من دون تغيير في الحكومة الحالية، التي يقودها حزب «سيريزا» اليساري. تم استدعاء زعماء المعارضة اليونانية إلى بروكسل، على رأسهم إيفاجيلوس ميماراكيس، رئيس حزب «الديموقراطية الجديدة»، المنتمي لعائلة «المسيحيين الديموقراطيين» (حزب ميركل)، وقد اجتمع مع زعماء دول هذه العائلة قبل انعقاد القمة.

بعض من تحرّروا من قيود هذه المساومات، يتحدثون الآن أن كل ما يجري هو عبث كامل لملء الوقت الضائع. هذا ما قاله حرفيا وزير المالية اليوناني المستقيل يانيس فاروفاكيس، في مقالة نشرها تعليقا على المتاح أمام قمة اليورو. أكد أن إخراج اليونان هو «سيناريو جاهز» في رأس شوبل، وكل ما يريده هو الحفاظ على البيئة الخصبة لتطبيقه في اللحظة المناسبة.

كلامه قدّم شرحاً لسبب الانقسام الفرنسي ـ الألماني. يجادل فاروفاكيس بأن صقور حزب ميركل يريدون إخراج اليونان «لتنظيف» منطقة اليورو، وكي ترى باريس «غضب الآلهة» بما يجعلها ترضخ للوجهة التي تريدها برلين. هناك بالفعل خلاف جذري. منذ سنوات تكرر برلين تشديدها على قواعد الانضباط المالي: كل شيء يجب أن يدور حول التقشف، تقليل عجز الموازنات، مكافحة تضخم الديون. العنوان العريض لذلك «لا عودة لتمويل النمو عبر الاستدانة». قانون لا يعجب باريس وروما، فكلتاهما تكافحان الآن لتصحيح وضع عجز الموازنة والمديونية العالية. هكذا جاءت المعركة اليونانية مناسبة للقول إن هذا الطريق لن يحل أي مشاكل، مع المطالبة بالتركيز على النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل.

معركة على هذا المستوى، مع انقسام عميق كهذا، تعطي أملاً أخيراَ لحكومة تسيبراس بإمكانية إنجاز تسوية. الأمل ضئيل كما يردد الجميع. لكن إذا كانت ميركل تقول إنها لن تعقد صفقة «بأي ثمن»، فهل يمكن لتسيبراس أن يدفع هذا الثمن الباهظ؟ كل شيء يتوقف على القرابين التي يملك الاثنان تقديمها على مذبح العملة الموحدة.